Skip to content

آفلون وتحوُّلات…ولصوص يمكِّنهم انهزاميون!

نتنياهو مرتشٍ وفاسد. هذا هو ما توصَّلت إليه تحقيقات شرطة كيانه الاحتلالي وأوصت به لنائبه العام. ومن ثم، بدأ الإعلام تداول ما عده بداية العد التنازلي لمسيرة المتهم السياسية…ما يتهم به نتنياهو سبقه إليه عديد من قادة هذا الكيان وبدا وكأنما هو سمة لسياسييه. سبقه لهذا أولمرت وحكم عليه بالسجن وأُخلى سبيله العام الماضي، وقبل أولمرت أفلت شارون من ذات المصير بإلقاء ملف رشاويه وفساده على كاهل ابنه عومري فسجن بدلاً منه، وكان رابين قد أُكره على الاستقالة لاكتشاف امتلاكه هو وزوجته حساباً بالدولار في بنك أميركي، كما وأن الوزير ارييه درعي قد سجن لجناية رشوة يضاف إليها السرقة، ولم يتوقف الأمر عند الرشوة والسرقة، إذ أن واحداً كان في موقع يطلقون عليه “رئيس الدولة”، هو موشيه قصَّاب، قد اطلق سراحه قبل ما يزيد قليلاً على العام بعد حكم بالسجن لسبعة أعوام لقيامه باغتصاب مساعدته مرتين عندما كان وزيراً، وتحرُّشه باثنتين عندما اصبح رئيساً.
مثل هذه الأمور ليست بالمستغربة في كيان استعماري استيطانيٍ قام أصلاً على اغتصاب وطن الآخرين وسرقة ارضهم، وإذ مثل هؤلاء  يديرونه وهو القائم على اللصوصية، فهم لم يرتقوا إلى سدة قراره، إلا لأنهم قد تميَّزوا في إدارة سياسة هذه السرقة. لكنما المشكلة هي في استعداد التسوويين، فلسطينيين وعرباً، لأن يعلقوا أوهامهم المزمنة والدائمة على كل ما ينعشها كرحيل نتنياهو المحتمل بعد أشهر، متناسين واحدة من حقائق هذا الكيان، والتي يوفرها له بؤس الراهنين الفلسطيني والعربي وتغوُّل العدوانية الأميركية، وهي أن ذهاب أي حاكم في هكذا كيان يخلفه بالضرورة آخر أكثر مغالاة في عدوانيته من سابقه، ذلكم لغياب ما يردع وتوفر ما يستحث، بحيث لو افترضنا أنهم جاءوا بغاندي من بينهم فلن يقل عدوانيةً عن بينت وليبرمان، بل لجعل واهمينا يترحمون على نتنياهو!
اتهام نتنياهو وتكذيب واشنطن لتواصله معها بشأن ضم مستعمرات الضفة، وصدور تصريحات أميركية تعتبرها “تعقِّد عملية السلام”، قد يجد فيه الواهمون ما يساعدهم على تبرير مواصلة مراهناتهم التسووية، وإن لم يتبقَ لديهم ما يتنازلون عنه، بعد اخراج القدس واللاجئين من بازار المفاوضات، حيث يقول وزير خارجية السلطة المالكي حول “صفقة القرن” مثلاً، إن “الصفقة حصلت مع الجانب الإسرائيلي، والإدارة الأميركية قررت اعتماد الجانب الإسرائيلي كموقف أميركي رسمي”…
وإذ لا من متغير في ثابت العلاقة العضوية بين اميركا واسرائيلها، مهما تغيَّرت الإدارات ومسميات قاطني البيت الأبيض، باستثناء أنَ ترامب لا يقل عدوانيةً عن كل من دخلوا السجن أو سيدخلونه من غلاتها في الكيان اللصوصي، فما هو المعروض على رام الله سوى الاستسلام؟!
كما وإذ لا من متغيِّر أميركي، فما من متغيِّر اوسلوي ايضاً. ما حدث في جنين مؤخراً من المؤكد أنه حتى جابوتنسكي لم يكن ليحلم به. ارسل المحتلون سيارةً بها جندي ومجنَّدة إلى داخل المدينة المعادية فيما يشبه الاختبار، ونقول ارسلوا وكاختبار، لأنه من غير المعقول أنها قد ضلت، كما يُزعم، وهي قد دخلتها عبر حواجز الاحتلال العسكرية. وبطبيعة الحال لم يتوان الأهالي في محاصر السيارة والقبض على المتسللين وتجريدهما من سلاحهما وإيساعهما ضرباً، فما كان من أجهزة السلطة إلا أن هبت للقيام بما تراه من مهامها وهو انقاذ جنديي الاحتلال، فأطلقت الأعيرة النارية لتفريق المواطنين وإعادتهما سالمين من حيث أتيا، وظلت تبحث عن سلاحهما حتى عثرت عليه واعادته للمحتلين!
في هذا الاختبار نجحت السلطة حتى عند كارهها ليبرمان، الذي كان يعتبرها “قائمة لأن إسرائيل تحمي أمنها وتحافظ على بقائها”. في هذه المرة أشاد ليبرمان بدورها، اعطاها شهادة حسن سير وسلوك، قال: “إننا نرى ثمار التنسيق الأمني، ينبغي الثناء على التنسيق الأمني، والثناء أيضاً على الشرطة الفلسطينية. يدرك الفلسطينيون أن التعاون الأمني مصلحة متبادلة ومشتركة، لذلك فنحن أيضاً نقوم بالحفاظ عليه، كما أن حقيقة قيام الجانب الفلسطيني بإعادة السلاح فجر اليوم، تؤكد أن التنسيق الأمني عميق ميدانياً، وآمل أن يستمر هذا الأمر”!
هشاشة الكيان الاحتلالي تتستر خلف تغوُّله وتتلطى خلف ترسانة فتكه الهائلة، لكنما ما يغطي عليها أكثر ويدفعها لمزيد من الفجور هو الانهزامية، وبوجهيها العربي والفلسطيني…هذه المشيحة عامدةً كي لا تلحظ مسألتين:
الأولى: إن هذا الكيان المفتعل قد بلغ حدود قوته وقدرته على الاحتلال والتوسُّع، ذلكم كان منذ الألفين حين انكفأ مدحوراً أمام المقاومة اللبنانية، مروراً بإفشالها لحربه العدوانية عام 2006، ففشل حروبه العدوانية الثلاث على غزة…إلى جانب كون راعيه ومتعهده وشريكه في كل عدوانياته على الأمة العربية، الولايات المتحدة، قد أضحت امبراطوريتها الكونية تدرج في بدايات طور أفولها، أو ما بات الآن حديث النخب الأميركية وقيد تداولها.
والثانية: إن اسقاط ميامين الجيش العربي السوري لل f16 العدوة هو مجرَّد بداية تأشير على تحوُّل استراتيجي له ما بعده، ليس على صعيد محور المقاومة ونهج المواجه فحسب، وإنما على الصعيدين الإقليمي والكوني.

Advertisements

الخلية الفرد…والانتفاضة الفدائية

إنه ” ليس ابني وحدي، بل ابن فلسطين وفخر للجميع، وزلزل الكيان كله، الحمد لله”…بهذه الكلمات المعبّرة لخَّصت زوجة الشهيد الفدائي نصر جرَّار، ووالدة الشهيد الفدائي احمد نصر جرَّار، كل ما اعتمل في عمق وجدان الشعب الفلسطيني لحظة ورود نبأ الاستشهاد البطولي لأبنها المقاوم، بعد معركة خاضها ببندقيته وبمفرده مع ارتال حاصرته من المحتلين المدججين بالأسلحة ووسائل القتل المتطورة. وإذ هي بدأت منتصف الليل في مكمنه الأخير في اطراف بلدة اليامون قرب جنين، فهي لم تنتهِ إلا في الساعة الثامنة صباحاً.
ربما ما قالته أم احمد لم يزد على ما اعتدنا سماعه من كل أمهات الشهداء والشهيدات الفلسطينيات، كما وإن الاستشهاد بذاته قد بات طقساً نضالياً شبه يومي بالنسبة للفلسطيني المواجه لقهر الاحتلال على مدى الصراع، لاسيما في مثل هذه المرحلة التي هو  فيها ليس المستفرد به ومن ظهره إلى الحائط فحسب، وإنما العرضة لتكاتف بغيض ومشين من العجز العربي، ليس الراعي للأوسلوستانية الانهزامية المساومة والداعم لها فقط، بل والمتواطىء مع جبهة أعداء شعبنا وأمتنا وعلى رأسهم، ودائماً، الولايات المتحدة وصهاينتها واسرائيلها وما يتبع.
لكننا هنا أمام حالة استشهادية لها خصوصيتها الفذة لمناضل مميز قاد عملية فدائية نوعية لجهة توقيتها الاستنهاضي ودقة واحترافية تنفيذها ذي التطور الأدائي المبهر، فالانسحاب المدروس بسلام بعد إنجازها الناجح. وبالمقابل الفشل الذريع الذي كان من نصيب المحتلين في كشف منفّذيها أو تتبعهم، لولا بلوى “التنسيق الأمني” الدايتوني، وكاميرات أجهزة السلطة التي ساعدت في اكتشاف وتتبع قائدها. وما اعقب من تجنيد المحتلين لكافة صنوف اجهزتهم ومختلف قواهم الأمنية، بما في ذلك قوات النخبة ومستعربي فرقة “يمام”، لمطاردته، حيث اشتبك معهم ثلاث مرات خلال 24 ساعة فقط ولم يتمكنوا منه، وفي واحدة منهن اوقعهم في كمين ملحقاً بهم الخسائر وفيها سقط ابن عمه شهيداً، وأخيراً إذ ارتقى شهيداً، وبعد شهر من المطاردات، بدا وكأنما كيانهم بكامله يشارك بها، قالت روايتهم أنه في لحظته الأخيرة قد خرج لملاقاتهم مقاتلاً حتى استشهد.
إن ما اقلق المحتلين بحق هو تحوّله بعد العملية، وإبَّان المطاردات، وإثر الاستشهاد، إلى أيقونة بطولية نضاليه في نظر شعبه، بل ومثَّل حالة فدائية خاصة وملهمة، لاسيما وأن ما لا يزيد عن الشهر هو الفاصل بين عملية نابلس التي قادها وأودت بواحد من غلاة التهويد واعمدة نشر المستعمرات المسماة “عشوائية” ولا تلبث وأن تكرَّس لاحقاً رسمية، حاخام مستعمره “حفات جلعاد” رزيئيل شيبح، وبين العملية اللاحقة عليها والشبيهة بها والتي أودت بمتطرف من شاكلته على بوابة كتلة “اريئيل”، هذه التي باتت ثاني مدينة تهويدية في الضفة، وهو حاخام مستعمرة “هار براخا” ايتمار بن غال، إذ وقعت الأخيرة قبيل ساعات من استشهاده، ولا زالوا يطاردون من يتهمونه بتنفيذها وهو المناضل المطارد عبدالكريم عاصي، وحالت حارات نابلس بحجارة ودماء شبابها دون ظفرهم به، أما الثالثة، فعمليه مستعمرة “كرمي تسور” شمالي مدينة الخليل التي نفذها الشهيد الفدائي حمزة زماعرة، بعيد استشهاده بيوم واحد.
بدمه الزكي الطهور خط الشهيد البطل احمد جرَّار على ثرى اليامون قرب جنين اعلاناً نضالياً مرعباً للمحتلين والمتعاونين معهم، يقول: إن انتفاضة القدس مستمرة، وإن فدائية الإرادة المقاومة في تطوُّر، وإن الضفة الغربية هي ساحة الاشتباك الرئيسة مع المحتلين وخط تماس المواجهة المستمرة معهم حتى دحرهم…لقد دشَّن الشهيد قبل رحيله ابتكاراً نضالياً ذا جدة، في مواجهة تغوُّل سطوة الاحتلال الفاجرة، المردوفة بالتعاون الأمني الأوسلوي المشين مع المحتلين، أي يأتي جديده هذا في سياق محاولات الإرادة المُقاوِمة لدى الشعب المقاوم التغلب على جسامة المعيقات الناجمة عن هذه الثنائية الاحتلالية الأوسلوستانية القائمة، ومن هذه المحاولات اعتماد الخلية الفرد، لكنما دونما يحول دون مسعي مثابر لتجسُّد عملياتي ينحو باتجاه نوع من تأسيس تراكمي لانتفاضة فدائية مسلحة…وهذا بالضبط ما يخشاه المحتلون،  وتحدثت عنه صحيفة “يدعوت احرونوت” واصفةً إياه بالمؤشر على عودة العمليات المنظّمة التي خرجت من اطارها الفردي نحو العمليات الجمعية المخطط لها”، وزادت فقالت، إن هناك ” ما يدلل على وجود بنية تحتية صلبة للمقاومين. وإن تلك الخلية تمتلك جيشاً من الفدائيين الذين يستعدون لتنفيذ عمليات مشابهة لعملية قتل الحاخام قرب نابلس”.
اثر استشهاده عمت الكيان الاحتلالي بكافة مستوياته السياسية والأمنية ومستعمريه نوع من الاحتفالية، والتي هي إن دلت على شيء فإنما على مدى هشاشة هذا الكيان القاتلة…قال وزير الحرب لبرمان شامتاً مطمئناً مستعمريه: “لقد أُغلق الحساب مع من كان يلعب في الوقت الضائع”، لكنما تسرُّعه لإغلاقه هذا الحساب هو ما لا يتفق معه عليه الكثيرون في كيانه الاحتلالي، ومن بينهم زوجة الحاخام القتيل التي اعتبرت الإغلاق اللبرماني “لم يحل المشكلة بعد”، وتساءلت “وماذا عن البقية؟”…وهنا هي إنما تشير بقصد أو من دونه إلى كون هذا الحساب بالنسبة للشعب الفلسطيني يظل المفتوح والذي لن يغلق إلا بدحر الاحتلال…بتحرير كامل فلسطين والعودة لكاملها.

اطار شعث…ونصيحة كيري!

عقب قرار ترامب اهداء القدس لنتنياهو، كان من أوائل فلسطينيي التسوية المكلفين بمهمة البحث عن وسيط بديل لرعاية “عملية السلام” المغدورة اميركياً والمدفونة احتلالياً الدكتور نبيل شعث، القيادي في حزب سلطة رام الله. ووسط أجواء من التصريحات الغاضبة والمنددة بفعلة ترامب، التي سبقت ولحقت انعقاد المجلس المركزي، والجازمة برفض وساطة الوسيط الذي تبين مؤخراً لهم أنه غير نزيه، ارتحل الدكتور شعث بين عواصم الأمم باحثاً عن المطلوب، بدأ بالأوروبية، لينتقل من بعدها إلى موسكو ويعرِّج على بيكين. بيد أن من تولى المهمة بنفسه وظلت شاغله حتى اللحظة هو رئيس السلطة.
حصاد جولة شعث وجولات أبي مازن رست على أن البديل للأميركي قد عزَّ، وعن انعدام من يبدي استعداداً لمنافسته احتكاراً لا يتنازل عنه. ناهيك عن أن المحتلين لن يبدلوا عن حليفهم المعطاء تبديلاً، لاسيما وأنهم قد بدأوا يسرّعون متوالية فيض خطواتهم التهويدية المتلاحقة على وقع عطاياه، وبفضلها تحتشد الآن القوانين التصفوية على مائدة الكينيست.
رويداً رويداً خفتت الأصوات الغاضبة والمهددة، انعدم الجزم برفض الوساطة الأميركية لصالح اشتراط قبولها بوجود شركاء لها، أو تفضيل “اطار دولي لعملية السلام” لا يستبعد الأميركي، وإنما “يكسر احتكاره” لها…آخر تصريحات الدكتور شعث تقول، “لقد تجاوزنا مرحلة البحث إلى مرحلة العمل على الأرض لخلق اطار دولي يقف إلى جانبنا خارج الإطار الأميركي، وفي حال أراد هذا الإطار الدولي أن تكون الولايات المتحدة طرفاً من هذه الأطراف فلا مشكلة، لكن ليس من تحتكر عملية السلام كما كان عليه الأمر في الماضي”!
يصعب هنا تبيّن الفارق عند شعث بين مرحلتي البحث والعمل، لا سيّما وأنه لم تعلن جهة دولية واحدة استجابتها الصريحة لحالة هذا الهروب الفلسطيني التسووي من استحقاقات مواجهة خطورة الراهن إلى حيث تدويل الوساطة لبعث رميم “عملية السلام”، والتي ما انفك نتنياهو يشيّعها يومياً على الأرض لكن دون نعيها! اللهم إلا لغة النفاق الأوروبي التليد المرددة لمعزوفة تأييد “حل الدولتين”، مشروطاً بتوافق “طرفي النزاع”، مع علم المشترطين أن التهويد قد جعله مستحيلاً، والإيحاء ببعض التفهُّم لشكوى الجانب الفلسطيني، والذي لا من مردود عملي له، إذ أنه عادةً بلا رصيد فعلي، أو لا يصرف عند الضرورة إلا عبر الصرَّاف الأميركي وقبول الزبون الاحتلالي.
كما أن شعث، وبالأحرى رام الله، لا تجد من غضاضة في أن يظل الراعي الأميركي راعياً لكنما مع شركاء له في اطار يشبِّهونه ب”5 زائد واحد” في حالة حل الملف النووي الإيراني، وهذا بحد ذاته لو افترضنا وأن قبله الطرفان المعنيان، وهما واشنطن وتل ابيب، يضعنا من جديد أمام تجربة المجرَّب، والذي هو المعروف بإطار “الرباعية الدولية” سيئة الصيت، والتي لا يزال ميلادينوف خليفة بلير قائما بإعمالها.
ومع هذا لا يبدو أن حكاية الشركاء هذه ستصمد طويلاً، إذ نقلت تلفزة الاحتلال عن مصدر رسمي قرب لقاء يعقد بين ما قالت أنهما “مسؤول إسرائيلي رفيع المستوى وموظَّف فلسطيني كبير” في مكتب الأول في القدس. لتبيّن من ثم أن مسؤولهم الرفيع والفلسطيني الكبير هما، وزير ماليتهم موشيه كحلون ورئيس وزراء السلطة رامي الحمد الله، ولم تنس هذه المصادر الإشارة إلى أن هذا اللقاء يعد “اعترافاً فلسطينياً ضمنياً بالدور الأميركي”، لاسيّما وأن الإدارة الأميركية، كما قالت، كانت “معنيّة بترتيب اللقاء واخراجه إلى حيّز التنفيذ”، مشيرةً إلى أن مبعوث ترامب غرينبلت سوف يصل إلى فلسطين المحتلة عشية انعقاده، وتضيف بإن تل ابيب قد توجّه عبره رسالة إلى السلطة “مفادها أنه إلى جانب العصا يوجد جزرة أيضاً”!
لاحقاً شارك الوزير كحلون ووزيرة اقتصاد السلطة عبير عودة في حفل تدشين آلة مسح ضوئي قدمتها هولندا لفحص البضائع  القادمة للضفة عبر جسر اللنبي على الحدود مع الأردن، وخلال الحفل اعلن كحلون بنفسه عن استقباله اللاحق للحمد الله …وكرت المسبحة، فاعلن وزير التعاون تساحي هنغبي عن مشاركته مع مسؤولي السلطة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في مؤتمر في بروكسل يعود لمبادرة نرويجية تحت شعار جذب الاستثمارات لقطاع غزة، والذي يحذّر مبعوث الرباعية في ندوة في تل ابيب بأنه “على شفا انهيار تام” بفعل أوضاعه المأساوية الناجمة عن حصاره المستمر لعامه الثاني عشر…وما لم يقله ملادينوف هو أن القطاع مهدد هذه الأيام بحرب عدوانية جديدة قد تشن عليه .
يتضاءل مع الوقت حديث الرد على قرار ترامب، وفي هذه الآونة يغطي عليه دوي شعار المطالبة بعضوية فلسطين الكاملة في الأمم المتحدة، وبات أمر تنفيذ قرارات المجلس المركزي رهناً بتنفيذ اللجنة التنفيذية…بينما يفتتح نتنياهو طريقاً التفافياً يبتلع المزيد من أراضي الضفة ويعلن، “عدنا للسامرة…هنا قلب اسرائيل”!
…والمفارقة، أن يقال في رام الله أن جون كيري قد نصح أبا مازن بالصمود في وجه الضغوط لتسعة اشهر فقط، قائلاً له، “لن تخسر شيئاً، ولن يستطيعوا حل السلطة…لا تتسرَّع واصبر قليلاً”…وحيث لا يبدوا أنه في وارد ذلك!!!

تقرير عريقات…وسلام الحاج بنس!

“على كل من يريد السلام أن يوافق على كل ما سوف تفرضه اميركا، وإن كل من يعارض ذلك سيعتبر من قوى الإرهاب والتطرُّف المتوجب على القيادات السياسية في المنطقة طردها ومحاربتها، فالاعتدال يعني قبول صفقة فرض الإملاءات، التي تعتبر بامتياز تبنّياً كاملاً وشاملاً لمواقف الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بفرض الأمر الواقع من خلال الاستيطان الاستعماري، ومصادرة الأراضي، وطرد السكان، والتطهير العرقي، وهدم البيوت، والاغتيالات والاعتقالات والحصار والاغلاق”.
هذا الكلام ليس لنا، وإن لطالما قلنا بمثله قبل مجيء ترامب ومن بعده، وقاله ويقوله سوانا، وبات من مسلمات المرحلة وغير الخافي على أحد، لكنما المفارقة أنه قد ورد في تقرير للدكتور صائب عريقات، امين سر اللجنة التنفيذية، وكبير مفاوضي السلطة، وصاحب نظرية “المفاوضات حياة”، قدَّمه لرئيس المنظَّمة والسلطة قبيل انعقاد الاجتماع الطارئ للمجلس المركزي،   الذي تم التنادي لعقده في رام الله إثر قرارات ترامب المتعلقة بالقدس وبهدف الرد عليها.
موضوع التقرير يتمحور حول ما تدعى “صفقة القرن”، وهذا المقتطف منه، هو المتناول لجانبها الأميركي، أما ما يتعلق بالمحتلين فيه، فالدكتور عريقات، وبعد ربع قرن تفاوضي معهم، قد توصَّل أخيراً إلى أن حكومتهم “متمسكة باستراتيجيتها القائمة على وجود سلطة فلسطينية لكن دون سلطة، واستمرار الاحتلال الإسرائيلي دون كلفة”، بمعنى الحفاظ على وظيفية هذه السلطة احتلالياً، كون وجودها يجنّبه كلفة احتلاله، ودورها الفاعل في حفظ أمنه بالحؤول دون مقاومته.
لسنا هنا بصدد العودة لما تمخَّض عنه اجتماع المركزي الطارئ، ولا لماذا لم  يرتفع إلى مستوى خطورة ما دعي للرد عليه. هذا ما كنا قد عالجناه في مقال سبق، وما جاء في تقرير عريقات المشار إليه يؤكّد ما كنا ذهبنا إليه، وخلاصته، أن فلسطينيي التسوية لا زالوا الحالمين بها، ولا زالت خيارهم الأوحد، ولكنما ليس بإمكانهم، ولا إيٍ فلسطيني كان، الموافقة على “صفقة القرن”، ولذا يلوذون بالتدويل هروباً من هذه المتحارجة الصعبة، لعلهم يعثرون على من لديه الرغبة، وبالأحرى الجرأة، على منافسة الأميركي المحتكر في امتياز رعاية ما تدعى “المسيرة السلمية”، هذه التي لا زالوا متمسكين بجدثها آملين انبعاثها رغم كل ما قاله ، أو اعترف به، في تقرير كبير مفاوضيهم.
ما قاله عريقات سبقته إليه كثرة من محللي وسائل الإعلام الاحتلالية، ومنهم، شالوم يروشالمي في صحيفة “ميكور ريشون”، حيث يقول: “إن الاستراتيجية التي يعكف نتنياهو وترامب على تنفيذها تقوم على تقديم عروض سياسية للفلسطينيين بهدف دفعهم لرفضها ليظهروا بمظهر الرافض لتسوية الصراع، بما يلغي الظروف الموضوعية لتطبيق حل الدولتين”… هذا، والملاحظة من عندنا، الذي بات بفعل الوقائع التهويدية على الأرض من الماضي، والمبتغى الآن الانطلاق من بعده إلى ما خلص إليه عريقات، أي جعل التصفية النهائية للقضية باستكمال التهويد أمراً واقعاً أيضاً.
…ويضيف يورشالمي، إن “ما يدلل على أن ترامب غير معني بتسوية الصراع حقيقة أنه حرص على تنصيب ثلاثة من غلاة اليهود المتدينين لكي يديروا ملف صفقة القرن”، في إشارة منه لمستشار ترامب وصهره جاريد كوشنر، ومبعوثه للمنطقة جيسن غرينبلت، وسفيره لدى كيان الاحتلال ديفيد فريدمان، والذين قال أنهم “يتبنون مواقف متطرّفة تتجاوز الخط الايدلوجي لحزب البيت اليهودي، الذي يمثّل التيار الديني الصهيوني في إسرائيل”، أما مرده عنده فهو أن “هناك “قاعدة ايدولوجية مشتركة” تجمع بين اليمينين في كل من اميركا والكيان الاحتلالي.
ما أشار إليه يورشالمي في “ميكور ريشون” أكد عليه زميل آخر له هو  درور آيدور في “إسرائيل هيوم” حين دعى هذا إلى عدم التعاطي مع زيارة نائب الرئيس الأميركي بنس على أنها سياسية فحسب، إذ يشدد على أن الأخير يرى فيها أيضاً “رحلة حج”، لافتاً إلى أنها بالنسبة للزائر تأتي من منطلق “عقائدي وقيمي كانجيليكاني”، موضّحاً أن ما يوجِّه الأنجيليكانيين هو ما ورد في كتاب “التناخ”، إذ يرون في العمل على تهويد القدس “فريضة دينية”…ما قاله آيدور أيَّده خطاب بنس لاحقاً في الكينيست، إذ لكثرة ما استشهد فيه بعبارات توراتية، بدا وكأنما هو احد حاخامات الحريديم…ما بدا منه جعله يحظى بحفاوة غير عادية لدى حلفائه المحتلين، بل وحدا ببعضهم لأن يصفه ب”المسيح المنتظر”! لا سيّما وهم يسمعونه يقول بأنه يشرّفه أن يكون “أول نائب رئيس أميركي يزور القدس بصفتها عاصمةً لدولة إسرائيل”.
من على منبر الكينيست وجّه بنس لرام الله رسالة توضح ما لم يكن بخافٍ عليها، والذي إن هي لا تقوى على قبوله، فلا تعترض عليه عواصم التسوية العربية، أو هذه التي بات المطلوب منها الضغط عليها لقبوله، لقد كثَّف بنس فحوى صفقة ترامب الموعودة بقوله: “إن اعلان القدس عاصمة لإسرائيل سيساهم في بلورة اتفاقية سلام قابل للحياة”!!!
…لاحقاً اعلن ترامب وهو يلتقي نتنياهو في دافوس، أن القدس “خارج طاولة المفاوضات” للوصول لسلام بنس القابل للحياة ، أو ما وصفه تقرير عريقات بأنه “التبني الكامل والشامل” للمفهوم الاحتلالي للتسوية التصفية.

ما بعد المجلس المركزي

مستندةً إلى ما دعته تقاريراً للمؤسسة الأمنية الاحتلالية، علّقت صحيفة “معاريف” على نتائج اجتماع المجلس المركزي في رام الله فقالت، إن “شحنة الإحباط كانت مضبوطة، فعباس لن يكسر الأواني، وحافظ على قواعد اللعبة، وفي نهاية الأمر لم يؤدِ كلامه إلى شيء ملموس”…المستوى السياسي الاحتلالي، وقياداته غالباً تنتج في المؤسسة الأمنية وتأتي منها، هو أول من يستلم هذه التقارير ويحجبها أو يوعز بتسريبها، وعلى اساسها بالطبع يرسم خطوات سياساته المتعلقة، وإن هو إعلامياً ودبلوماسياً لا يتقَّيد بها في سياق موالاته لحملات تحطيم كل الأواني المتبقية لأبي مازن، لكنما قصارى القول هنا هو أن كلا المستويين الاحتلاليين، الأمني والسياسي، ينطلقان من خلاصة تقييمهما الذي عبَّر عنه مقال للصحفي بن كاسبيت، المقرَّب للمؤسسة الأمنية، والقائل، “لقد كرر ابو مازن طوال خطابه مواقفه القديمة، ومعارضته للإرهاب”…الإرهاب هنا في المفهوم الاحتلالي هو المقاومة المسلَّحة للاحتلال…كيف؟
للإجابة لابد من الإشارة إلى ما استدعى الانعقاد الطارىء للمجلس المركزي وخروجه من ثم بما تضمّنه بيانه الختامي، وهي القرارات والخطوات الأميركية المنطلقة من المراد احتلالياً في هذه المرحلة للإجهاز التصفوي على القضية الفلسطينية وتسريعه، التي من شأنها اخراج القدس، واللاجئين، والحدود، من ملف المفاوضات المفترضة تسووياً، وشطب  “حل الدولتين”، أو المشجب الذي لطالما عُلّقت عليه الأوهام التسووية، وخنق السلطة بقطع المساعدات عنها، وأخيراً قرار الليكود بضم الضفة رسمياً لكيان الاحتلال استناداً إلى هذه الخطوات، تلكم التي حفَّزتها وسهّلتها سانحة انحدار الحالة العربية وراهن الموازين الدولية…الحاله العربية المنتقلة من العجز إلى التواطوء التسووي ومنه للضغط التصفوي، والذي لا يكتم الأميركان والمحتلون تعويلهم عليه، أما الدولية فتبدت في محبط حصاد الجولات الفلسطينية على عواصم الغرب والشرق بحثاُ عن بديل عزَّ، وحتى شريك، للأميركي المحتكر للتسوية ووفق الرؤية الاحتلالية لها.
وعودة لسؤالنا، في خطابه الذي حدد السقف الفعلي لمخرجات اجتماع المجلس المركزي، إذا ما وضعنا جانباً السقف العالي لنبرتها وصياغتها المواربة المدغدغة للعواطف والحمالة الأوجه، ومسألة تنفيذها حيث المرجَّح أنها ليست بالأوفر حظًاً من قرارات اجتماع سابق عاد الأخير فكررها، ونبدأ بما استخلصه ابو مازن أخيراً وابلغه للمؤتمرين، وهو، إن “اسرائيل انهت اتفاقية اوسلو”، وإن السلطة “اصبحت بلا سلطة تحت احتلال بلا تكلفة”، ونحن “لا نريد صفقة العصر ولا الظهر”…إذن، وماذا بعد؟!
إن ما استدعى دعوة المجلس المركزي، اميركياً وعربياً واحتلالياً، واشارنا اليه، ومنه ما استخلصه ابومازن، يعني، وبكل بساطة، نعياً للتسوية واستعجال للتصفية، وها هى الكرة الآن في ملعب ابي مازن فكيف سيردها؟! ليس بإمكاننا، ومن أسف، أن نستخلص من حملة ابو مازن الغاضب على ترامب غير ما استخلصه بن كاسبيت في “معاريف”. في رده على اتهام ترامب للفلسطينيين برفض المفاوضات، قال: “يخرب بيتك، من متى رفضنا المفاوضات، وأنا جاهز للصفقة التي بان أنها صفعة..هذا عيب”. وفي رده على اتهامه للفلسطينيين بالإرهاب، قال: “يخرب بيتك، نحن وإيَّاكم نحارب الإرهاب، ونحن مع ثقافة السلام”، وعليه، “لن نقبل اميركا وحدها وسيطاً بيننا وبين اسرائيل بعد الذي فعلوه”.
هذا يعني أن لاعودة بالنسبة إليه عن خيار المفاوضات، بغض النظر عن نتائج هذا الخيار وما أوصلت إليه ومآلاته المقروءة سلفاً، كما ولا من تخلٍ، والحالة هذه، عن الأميركي “الوسيط غير النزيه”، لأن المحتلين لن يقبلوا بسواه وسيطاً، وإنما محاولة التخلي عن وساطته منفرداً، وعليه، فالمطلوب الآن، أما وقد انتفى وجود من ينافسه، البحث عن شركاء له في الوساطة إن أمكن.. وهذا ما اكده وزير خارجية السلطة رياض المالكي بعد انفضاض المجلس المركزي وصدور بيانه عالي النبرة..زد عليه، عاد ابومازن للتأكيد على ما لم يحد عنه يوماً ولم يفارق قناعاته عبر تاريخه، وهو رفضه المطلق للمقاومة المسلَّحة، واستبدالها “بالشعبية”، والتي هى عنده لا تعدو المقاومة الاحتجاجية، كتلك التي تجري احياناً بمشاركة ناشطين اجانب على الطريقة البلعينية المعروفة..قال جازماً: “لست إلا مع هذه المقاومة، ولن اخجل من تكرار ذلك”.
عند صياغة قرارات المجلس كان جوهر ما تقدَّم هو السقف الذي لم يتم تجاوزه. مثلاً، الكلام عن تعليق الاعتراف بكيان الاحتلال لا إلغائه، والمحال إلى اللجنة التنفيذية، وحيث لها حق تنفيذه عندما ترى الوقت المناسب لذلك، إن هى نفَّذت، هو وفق الأستاذ والمرجع في القانون الدولي الفلسطيني المعروف، الدكتور انيس القاسم، “نظري لا قيمة قانونية له، ذلك إن الاعتراف عندما يصدر لايمكن سحبه”. اما وقف “التنسيق الأمني” مع المحتلين فهذه المرة الثانية التي يقرر المجلس وقفه، ولكنه لم يتوقف سابقاً ولن يتوقف الآن، ومن لديه شك فليراجع تصريحات محافظ نابلس لإعلام الاحتلال إثر وقوع عملية قرية تل الفدائية الأخيرة في محافظته. أما الهروب لملاذات التدويل واللجوء للأمم المتحدة فلازمة تكرر التلويح بها منذ العام 2011، وفي تعثُّر حظوظ عملية البحث عن الوسيط البديل، وتجارب ثلاثة ارباع قرن مع الأمم المتحدة، خير دليل على مآلات مثل هذا الهروب.

نابلس ترد على ترامب

يوالي الكيان الاحتلالي في فلسطين الإفادة ما استطاع من فرص الانحياز الأميركي حد التماهي مع تفاصيل استراتيجيته التهويدية، وما توفره للمنحاز والمنحاز إليهم راهن الغيبوبة العربية من سانحة استفراد بالشعب الفلسطيني، يعززها وجود سلطة تحت احتلال ورهينة لخيارها التسووي الوحيد…حتى اللحظة لم تقدم على تنفيذ واحدة من تهديداتها المزمنة والمكرورة، باستثناء صمودها حتى الآن على رفض استقبال بنس، معلقةً احتمالات تنفيذها على مشجب انعقاد المجلس المركزي بعد يومين، والذي سبق وأن قرر ما قرر ولم ينفَّذ، ومن ضمنه وقف “التنسيق الأمني” مع المحتلين والذي لم يتوقّف.
ومع أن تهديداتها، لو افترضنا أنها نُفّذت، تظل المحدودة المردود قياساً بالخطر التصفوي المحدق بالقضية، كاللجوء للأمم المتحدة، والانضمام إلى هيئاتها، والذهاب إلى محكمة الجنايات الدولية، فما هو جدوى هذا مع بقاء انعدام قدرتها ورغبتها في القطيعة مع المسار التسووي التصفوي، والذي اثبتت لها الأيام الأخيرة أن ما من احد لجأت إليه يريد منافسة الأميركان على احتكار رعايته، وأن لا من أحد يتحكَّم في خطواته سوى نتنياهو.
هناك جملة من المعطيات التي لا تدع مجالاً لتعويل على مستجد في مواقفها من شأنه أن يغيّر من حالها نهجاً ودوراً ومآلاً، ومنها، مواصلة “التنسيق الأمني” مع الاحتلال، والإماتة السريرية المتعمَّدة للمصالحة، وربما اقتراب دفنها غير المعلن، ما لم يتدخَّل راعيها المصري، الذي يبدو، على خلاف ما كان عليه في بدايتها، متفرجاً، أو ليس في عجلة من أمره…ويكفي أنه لم ترفع العقوبات عن الغزيين، والتهرُّب من مستوجب عقد الإطار القيادي المنوط به اصلاح المنظَّمة.
في تعليق لها على التوجُّهات الأميركية اللاحقة على اعلان القدس عاصمة للكيان الاحتلالي ونقل السفارة إليها، كقطع المساعدات عن السلطة وحجبها عن الأونروا، تقول صحيفة “هآرتس”، إنه “عندما يتم فحص تهديدات ترامب الأخيرة سويةً مع القانون في الكينيست بشأن القدس وقرار الليكود بشأن ضم الضفة الغربية، يصعب الهرب من الشك بأن الأمر يتعلق بمؤامرة عابرة للأطلسي لتفكيك السلطة وإلغاء حل الدولتين نهائياً”.
هذا الكلام جزمنا به سابقاً ولم نشك فيه وفعلها غيرنا، لكنما ها هم يقولونه بأنفسهم، وإجراءاتهم المتواترة تعززه وتقطع شك “هآرتس” باليقين. مثلاً، تسريباتهم المتعمَّدة باعترافهم أنهم قد اعدموا ميدانياً 201 فلسطينياً منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في التاسع عشر من الشهر قبل الأخير عام 2015، هذه التي القصد منها التمهيد لتمرير قانون اعدام الفدائيين الذي سيعرض قريباً على الكينيست، والمصادقة على بناء 1285 وحدة تهويدية في الضفة، إضافة إلى 2500 أخرى سبق وإن أُقرّت، وفي عشرين مستعمرة ، وازماع بناء “احياء كبرى” في المستعمرت المدن، مثل “أريئيل”، و”عمونوئيل” وسواهما، بل والبناء في بؤر استعمارية ثانوية قضت محاكمهم بوجوب اخلائها!
هناك هجمة تهويدية يرافقها فجور قمعي احتلالي متعددة الأوجه. اعتقالات تتسم بالعشوائية والشمول لكل من يشكّون في كونه  قد يشكل خطراً أمنياً عليهم، بما فيهم الأطفال، وتقتيلاً بدموية عرفت عنهم في مواجهتهم للمنتفضين، ناهيك عن هدم البيوت وتشريد ساكنيها، والتنكيل بأسر الشهداء، بل والآن بدأت المطالبات بطردها، والزيادةً القياسية في الاجتياحات الاستفزازية لباحات الحرم القدسي، وكيل التهديدات لغزة المحاصرة.
هذه الهجمة وهذا الفجور يستمدان زخمهما من ذات المؤامرة عابرة الأطلسي التي تحدثت عنها “هآرتس”…وهنا نعود لنكرر ما كنا قد اشرنا إليه في مقال سابق، من أن المحتلين لم ولن يتركوا فرصةً لا يستغلونها للإجهاز على القضية الفلسطينية، ولن يدخر الأميركان، والغرب عموماً، جهداً لن يبذل لمساندتهم.
إنها واحدة من قوانين الصراع عندهم، ومنذ أن كان، كما وأن الواقع العربي، ومن أسف، لا من خير يرتجى منه على المدى المنظور، ويمكن سحب هذا تلقائياً على الحال الفلسطينية في آسارها الأوسلوية…لكنما هناك ما يغفل عنه الكثيرون ومن شأنه أن يفاجئهم عادةً، وظل على مدى عقود الصراع من فرائد الملحمة الكفاحية للشعب العربي الفلسطيني في مواجهته المستمرة للهجمة الاستعمارية الاستيطانية الإحلالية على وطنه التاريخي، ونعني قدرته النضالية الإعجازية المبادرة دوماً، وفي مختلف المحطات المصيرية، على مفاجأة الجميع، الأعداء والأصدقاء، بل والنخب والفصائل الفلسطينية أيضاً.
نحن هنا لانتحدث عن اسطورية الصمود والتضحيات، واستشهادية المواجهة، وبطولية العناد الكفاحي، وإنما عن قدرته دائما على ابتداع اساليبه وأدواته الكفاحية المتوائمة والمتكيّفة مع قدراته وظروفه الصعبة واختلال موازين القوة لصالح عدوه واستفراده به…العملية الفدائية النوعية قرب قرية تل الواقعة غرب نابلس واحدة من الدلائل العديدة المؤشرة على هذا، إذ تأتي في وقت بدى فيه وكأنما ثنائية بطش العدو و”التنسيق الأمني” لم تترك مجالاً لمثل هكذا عمليات. طريق التفافي للمستعمرين محمي بكثافة عسكرية وأمنية فائضة كالعادة، وفي نقطة عند مدخل مستعمرة “جفعات جلعاد”، وعلى مقربة من نقطة عسكرية، وغير بعيد عن حاجز عسكري، وتنفيذ ناجح وانسحاب آمن، ومدة قال العدو أنها لم تزد عن دقيقة واحدة…صراخ ستبي ليفني وأوري اريئيل وتسبي حتبولي يفسره قول ميكي ليفي “مساء آخر قاتل”…للاحتلال!

فرصة إدلشتاين!

قبيل تبني مؤتمر حزب الليكود الحاكم بزعامة بنيامين نتنياهو، وبالأغلبية الساحقة، قراراً بإلزام وزرائه ونوَّابه العمل على فرض السيادة على الضفة الغربية بما فيها القدس، بمعنى ضمها للكيان الاحتلالي رسمياً، وإقرار الكنيست لقانون قدَّمه حزب “البيت اليهودي” بزعامة نفتالي بينت أُطلق عليه قانون “القدس الموَّحدة”، الهادف لقطع الطريق على أية فرصة تسووية مستقبلاً قد تؤدي إلى تقسيم المدينة، أو التخلي عن أي جزء منها، وذلك باشتراط موافقة ثلثي اعضاء الكينيست، أي الأمر الذي هو في حكم الاستحالة…قبيل هذين الحدثين، وتمهيداً لهما، سبق تصريح لرئيس الكينيست الليكودي يولي إدلشتاين نوَّه فيه إلى أن كل من الرئيس الأميركي دونالد ترامب، والظروف السائدة في الإقليم، ويقصد الحالة العربية، يشكلان “فرصةً يجب استغلالها” لحسم الصراع لصالح كيانه الغاصب، بادئاً برفع شعار “القدس أولاً”، مطالباً ترامب بدعم هذا الشعار الداعي لربط المدينة بكتلة “معالية أدوميم” التهويدية، أو المشروع المعروف ب”E1″، الذي يعني إيصال مساحة بلديتها إلى 12% من مساحة الضفة لتلامس حدودها البحر الميت، والهدف عزل شمال الضفة عن جنوبها.
ما أقره الكينيست، وما تبناه الليكود، والذي هو في حكم المُقر حال تقديمه للكينيست لتوفر أغلبية إقراره، يأتي في سياق سباق تهويدي محتدم اكتسب اندفاعته غير المسبوقة من اعتراف ترامب بالقدس عاصمةً لحلفائه المحتلين، الأمر الذي كنا قد اشرنا إليه مسبقاً في مقال سابق، وإذ قلنا حينها أن اعترافه قد جاء وتم توقيته بناءً على تفاهم وتوافق مبيَّت تم مسبقاً بين الحليفين، قلنا أيضاً، أن هذا التفاهم والتوافق ينسحب أيضاً على ما سوف يلي من خطوات يقدم عليها الطرفان، تنحو لفرض وقائع تصفوية تستهدف شطب القضية برمتها، تسهّلها عليهما فرصة انحدار واقع الحال العربية التي اشار اليها إدلشتاين…مثلاً، بالتوازي مع ما أُقر وتم تبنيه ليُقر، اعلنت نيكي هيلي المندوبة الأميركية لدى الأمم المتحدة أن “الرئيس دونالد ترامب سيوقف الدعم الذي تقدّمه الولايات المتحدة إلى الأونروا، وذلك حتى يعود الفلسطينيون لطاولة المفاوضات”. وهذا يعني اسقاط الأميركان لملف اللاجئين بعد اسقاطهم لملف القدس مما سمّي اوسلوياً ب”قضايا الوضع النهائي”.
مواقف ترامب، التي يصعب التفريق بينها وبين مواقف نتنياهو وبينت وليبرمان، اعطت اشارة الانطلاق لماراتون التنافس  في سباق الغلو بين قوى المستوى السياسي في الكيان الاحتلالي لاقتناص الفرصة التي اشار إليها إدلشتاين. سابقاً كان “البيت اليهودي” يطالب بضم المنطقة “ج” من الضفة وفق تصنيفات اوسلو، والتي تعادل 60% من مساحتها، الآن الليكود يزاود عليه ويطالب بضمها كاملةً! والمهم أن كليهما يضربان الآن بسيف ترامب ليجعلا من الوهم التسووي الأوسلوي من اضغاث احلام الزمن الماضي…يقول قرار مؤتمر الليكود: “في الذكرى الخمسين لتحرير يهودا والسامرة، بما فيها القدس، عاصمتنا الأبدية، تدعو اللجنة المركزية لليكود قيادات الليكود المنتخبة للعمل من أجل البناء الحر، وتطبيق قوانين اسرائيل وسيادتها على مجمل المجال الاستيطاني المحرر في يهودا والسامرة”!
قرار الكينيست، ثم إقراره لاحقاً لمقترح الليكود المقدَّم إليه، وما سيتبع من قرارات متوقَّعة، ليست سوى اشهارات لوقائع تهويدية تم تكريسها بدأب على الأرض منذ أن كان الاحتلال، وتسارع فرضها في ظل الكارثة الأوسلوية، وما وفَّرته أوهامها التسووية من التغطية المرادة، ثم ما اتاحتة سنونها العجاف من الوقت اللازم لجعلها واقعاً…والآن، ما الذي ابقته هذه القرارات لدعاة التسوية؟!
وصف الدكتور نبيل ابو ردينة، الناطق الرسمي باسم السلطة، قرار الكينيست بأنه “اعلان رسمي بنهاية عملية السلام”،  وحقاً، ومن زاوية ما عُلّق على مشجب هذه العملية المنتهية من أوهام، هو كذلك. فقرار الكينيست، وقبله قرار ترامب، اخرجا ملف القدس من ما تعرف ب”قضايا الحل النهائي”، واعلان هيلي بخصوص الأنروا يمهّد لألحاق ملف اللاجئين به، وما تبناه الليكود اجهاز على ما تبقى نظرياً من اوسلوا…حوَّل السلطة تلقائياً إلى فتات إدارات ذاتية بمستوى بلديات لتجمُّعات سكانية متباعدة، او معازل اشبه بالمعتقلات الكبيرة، لجالية أجنبية لها حق الإقامة المؤقتة، وبرسم الترانسفير عندما تسمح المخططات وتأذن الفرص المستقبلية به، مع الحرص على ابقاء أمر واحد لا غير هو “التنسيق الأمني”، أو التعاون مع المحتلين للحفاظ على أمن احتلالهم.
بالمقابل، أما والحال العربية كما هي عليه، والتي أقل ما يقال فيها أنها لا تسر صديقاً ولا تزعج عدواً، وأن كل ما بدى من السلطة، أو تلوّح به حتى الآن، لا يعدو “الذهاب للمحاكم الدولية، والانضمام إلى المنظمات الدولية”، ولا يتعدى اللجوء للأمم المتحدة، أي هذه الموجودة منذ النكبة، والشاهدة عليها، والمشرّعة لنتائجها، فما العمل؟ ما هى الخيارات المتوفرة للشعب الفلسطيني في مثل هذه المرحلة الأخطر في تاريخه النضالي المديد؟
نقول هذا قبل أن يبدأ الانتقال بالاحاديث التسووية من ندب المغدور “حل الدولتين” إلى المستحيل “حل الدولة الواحدة”،  بمعنى الانتقال بنا من النضال السلمي ضد الاحتلال، إلى الاحتجاجي ضد عدم المساواة، والفصل العنصري، ومظالم الأبارتهايد!!!
… ليس أمام الفلسطينيين سوى المقاومة، وما أخذ بالقوة لايسترد بغيرها…