Skip to content

كوشنر والرجوب…وشعب الأب مسلَّم!

حالتان طبعتا المشهد الفلسطيني عشية جولة كوشنر وغرينبلات الترويجية ل”صفقة القرن” التصفوية. ما شهدته ساحة المنارة في رام الله، حيث قمعت أجهزة سلطتها بعسف مقصود تظاهرة المحتجين المطالبين برفع عقوباتها التجويعية عن غزة وصرف رواتب موظَّفيها. في هذا الجزء من هذا المشهد كانت الهوة بين القامع والمقموع يعبِّر عنهما تصريحان، واحد لمسؤول والآخر لرجل دين مسيحي. الأول، هو محافظ نابلس المحتلة اللواء أكرم الرجوب، والذي قال متوعِّداً المتظاهرين بعاميّته الخاصة: “اللي بدو يتطاول بدنا نلعن أبوه”، وزاد مؤكِّداً: “اللي بدو يخرج عن النص بنلُقَّه على ثمه”، أي نلطمه على فمه! والثاني، للآب مانويل مسلَّم، عضو الهيئة الإسلامية المسيحية فيما يتضح أنه كان رداً منه على الرجوب: “نحن شعب أدبتنا الرشاشات فأصبحنا ثوَّاراً، ولم تؤدبنا مفاوضات أوسلو وتنسيقها الأمني، وإن كانت عنتريات فلتكن على المستوطنين في نابلس والضفة”.
والوجه الثاني، انتباه العالم المفاجىء إلى أن غزة في سبيلها للانفجار في وجه الجميع، احتلالاً، وسلطةً، وعرباً، ويتعداهم لسائر من ستطوله تداعيات هذا الانفجار اقليمياً ودولياً. الأمين العام للأمم المتحدة حذَّر هؤلاء من أن غزة على شفير حرب، مطالباً السلطة إلغاء معاقبتها غزة ودفع رواتب موظفيها. المفارقة أن غزة محاصرةً ومجوَّعة منذ 12 عاماً، وصحيح أن مأساوية الوضع الإنساني فيها الأن بلغت ما لا يمكن تخيُّل احتماله، إلا أن هذه الإنتباهة مردَّها المستجد النضالي الغزي وليس المأساوية التي امتد بها الزمن.
هذا المستجد بات الشغل الشاغل في الكيان الاحتلالي، ساسة، وعسكريين، واعلاماً، وآهلي المحاذي لغزة من مستعمرات. مسيرات العودة وابتكاراتها النضالية، والتي وصفتها صحيفة “هآرتس” بالعبقرية، أربكتهم وأزَّمتهم، وبلوغ القوة حدودها في مواجهة جبروت الإرادة العزلاء إلا من ايمانها بقضيتها أرعبهم، وولولة مستعمري ما يدعونه “حزام غزة” من أن الغزيين يخصونهم ليلاً بالصواريخ ونهاراً بالطائرات الورقية الحارقة افقدتهم صوابهم. يحصون اربعمئة حريق حتى الآن، واحتراق 3500 دونماً من مزروعات مستعمراتهم. تقنياتهم المتطورة و”قبتهم الحديدية” وطائراتهم المسيَّرة عاجزة عن صد طائرات غزة الورقية، والشركات الألمانية والفرنسية المشاركة في تسوير غزة وعزلها عن فلسطين المحتلة لم تتمكن بعد من اكمال ما هو غير الضامن لعزلها. ثم أن قرار المقاومة “القصف بالقصف” كسر قواعد الاشتباك فباتت المبادرة في يدها، وبات معلقوهم يحذرون من جرِّهم لحرب لا يحتملها مستعمروهم.
المشهدان الفلسطينيان، ما أشار إليه الأب امانويل في الضفة وما اعترفت بعبقريته “هآرتس” في غزة، هما وراء تحريك المحتلين لإنسانية الغرب من غفوتها، وشحذ همم جانحي عرب مسالمتهم والتخادم معهم، بغية مسخ الصراع مع غزة بمقاربته تحت يافطة التخفيف من كارثية الحالة الإنسانية هناك، والتي هؤلاء ومعهم الأوسلويين مشاركون في جريمتها بحصار القطاع المزمن…لكنما دون التخلي عن جوهر مقولة نفتالي بينت وزير التعليم في حكومة الاحتلال وزعيم حزب “البيت اليهودي”: “لا مكان للوجبات المجانية للعدو المقيم في غزة”، أي الولوج من بوابة إنسانيتهم الزائفة إلى تصفية القضية الفلسطينية وفق الرؤية النتنياهوية بمسماها الترامبي “صفقة القرن”.
وعليه، أرسلت واشنطن مؤخراً متعهدي بازارها الصهيونيين، صهر ترامب ومستشاره كوشنر ومبعوثه للمنطقة غرينبلات، في جولتهما الترويجية على اربع عواصم عربية والكيان الغاصب، رافعين يافطة بحث التخفيف من معاناة غزة مدخلاً لطرح الصفقة، هذه التي يشيعون بأنهم قد اقتربوا من وضع لمساتهم الأخيرة عليها وإنها أخيراً قد شارفت على الاكتمال.
حفل اعلام المحتلين بتسريبات يراد لها أن تسهم في جلاء بعض طلاسم هذه الصفقة. قالت “هآرتس” قبيل قدوم مروِّجيها المجتهدين، أن من بين مهامها، “جمع نصف مليار دولار لإطلاق مشاريع تمنع الانهيار في غزة ، وتمهِّد لصفقة القرن”، هي عبارة عن بنى تحتية تقام في شمالي سيناء المصرية، وعددت: ميناء بحري، منطقة صناعية، منشأة تحلية مياه، مصانع مواد بناء، ومحطة طاقة شمسية…ومن لا تسعفه الذاكرة نعيده لمشروع الجنرال يوآف مردخايً، الذي طرحه العام الماضي ورفضته السلطة المستثناة من جدول الجولة الترويجية، ومصر التي يُعوَّل عليها الجائلان لتمرير الصفقة والمشروع الممهِّد لها والذي لن يكون بلا موافقتها.
قطع المساعدات عن السلطة والأنروا، وتصريحات نتنياهو من عمان حول بقاء الرعاية الهاشمية للأماكن المقدَّسة في القدس، هو للضغط على السلطة للعودة عن قرار رفضها التعامل مع الصفقة إثر نقل السفارة الأميركية للقدس، وجزرة تسريبات لطمأنتها لاستدراجها بأن ما سيطرح هو “خطة سلام” على أساس تفاوضي وليس حلاً مفروضاً، وإن أبو مازن هو المحاور الفلسطيني الوحيد ولا نية لتجاوزه، أي ترك الباب موارباً لتمكينه من التخلي عن مقاطعة لم تمنعه من إبقاء صلة وصل سرية طرفاها ماجد فرج وبومبيو!
…هناك ما يشي بمخطط يمهِّد لألحاق غزة بمصر وبقايا الضفة بالأردن، وإذ القدس قدٍّمت لنتنياهو، فالاعتراف ب”يهودية الدولة” يتكفَّل بشطب حق العودة…مخطط، قمع متظاهري المنارة، وعنترية الرجوب، ومواصلة معاقبة غزة، موضوعياً تعني ملاقاته…لكنما هي صفقة لن تمر، واسألوا شعب الأب امانويل مسلَّم.

Advertisements

ترامب وكيم و”السلام النووي”!

غطى الحدث السنغافوري بحد ذاته، مع الاستعراضية الزائدة التي رافقته، على جوهر ما تمخَّض جبله عنه. قمة ترامب وكيم ل”السلام النووي” بإخراجها الإبهاري نجحت بامتياز في اشغال العالم لأيام. لقد قصفته بجملة من التوصيفات التي أرادها طرفاها، وكلٍ من زاويته، أن تسهم في ارتفاع قمة هذا الجبل، وإن إلى حين، لتحجب المبالغة في علوها ضآلة ما ولده…من مثل: “قمة القرن”، “اللحظة التاريخية”، “المشهد الاستثنائي”، “الوثيقة الشاملة”، “الصفحة الجديدة”، وأخيراً، تبادل دعوات زيارة كليهما لعاصمة الآخر، وأكملها ترامب صاحب أغلب هذه التوصيفات بوصف نتائج هذه القمة بأنها قد “فاقت كل التوقُّعات”، ناهيك عن ما استقطب الحدث، وهو ليس بالعادي، من جيوش لجبة من الصحفيين والمحللين والمتحدثين، إضافةً لقارئي كف “المصافحة الطويلة” بين سيدي المشهد، ومفسّري “الابتسامتين العريضتين” اللتين رسماهما ممثلاها على خشبته.
الحدث تاريخي بالفعل لجهة انعقاده، وحدوثه بذاته اختراق لجدار ليس من السهل إزاحته، لكنما كل ما كان من أمر هذا الاختراق هو مجرّد فتح هوة صغيرة فيه لا أكثر، أما توسعتها، ناهيك عن تجاوزه، فتتطلب الخوض في لجَّة من التفاصيل الكثيرة، والتي تكمن في ثناياها شياطين تعادل ولا تقل عن كثرتها، والمأمول فحسب أنها لو نجحت عملياً في التأسيس لمسار، فهي لن تعدو خطوةً أولى فيه، إذ يتطلب قطعه زمناً، وما شهدناه في احتفالية انطلاقه هو لا يعدو اعلان عن نية قطعه…في كل الحالات نحن إزاء “اعلان مبادئ” بنوده مجللة بالغموض، مسربلة بالعموميات، وغاب عنها كلياً الجانب العملي والملموس من الإلتزامات.
ونظرة متفحّصةً للوثيقة المسماة بالشاملة، التي وقَّعها الطرفان، إن بنودا أو صياغةَ، وحتى بعض ما ورد فيها من عبارات، يمكن ملاحظة إنها لناحية جوهرها لم تتضمن، بالنسبة للطرف الكوري الشمالي مثلاً، ما لم يسبق وأن تم التوصُّل إليه معه في العام 1993، لجهة تعهُّده بالعمل على نزع السلاح النووي من شبه الجزيرة الكورية. وسنخلص إلى أن ما اجتمعت عليه الوثيقتان، العتيقة والجديدة، هو ما يمكن اختصاره في معادلة واحدة: تفكيك برنامج نووي مقابل ضمانات أمنية…وإن شئنا التفصيل هناك اربع بنود رئيسة في وثيقة ترامب وكيم وهي:
يلتزم البلدان بتطبيع العلاقات بينهما، ويتعاونان “نحو إقامة سلام طويل الأمد في شبه الجزيرة الكورية، وتلتزم كوريا الشمالية بنزع كامل السلاح النووي في شبه الجزيرة، وبإعلان “بامنجوم” الصادر عن الكوريتين، ويلتزم الطرفان بإعادة رفاة القتلى والأسرى في الحرب الكورية، ويتعهَّد ترامب “بتقديم ضمانات لجمهورية كوريا الديموقراطية الشعبية، وإقامة علاقات متينة بين البلدين من خلال فتح صفحة جديدة بينهما”…أي ما خلاصته، التزام كيم بإخلاء شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية مقابل التزام ترامب بأمن كوريا الشمالية. وكله، أوكل أمره لمفاوضات تكميلية بغية تنفيذه، وألقيت مهمتها، دونما تأطير لزمن أو إشارة لآلية معيَّنة، على عاتق كلٍ من وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو ومسؤول كوري شمالي تعيّنه بلاده.
ربما لا يختلف اثنان في مشارق عالمنا ومغاربه على كون المشهد السنغافوري ذو الاستعراضية الأميركية الزائدة والمجاراة الكورية الشمالية المسهمة في بهرجتها، إن قيّد لنتائجه الحبلى بالغموض والعمومية اجتيازاً لإشكالية انعدام الآلية وغياب الجانب العملي، هو ذو مسار شائك تملئه الألغام ويفاقم صعوبة السير في منعرجاته انعدام الثقة بين الطرفين، وهذا الانعدام يعززه سجّل غير مشجّع سطَّره ترامب في زمن قياسي القصر لا يتعدى مدة وصوله للبيت الأبيض. الانسحاب من اتفاقية المناخ، والانسحاب من اتفاق الملف النووي الإيراني، وربما  من اتفاقية “النافتا” مع جارتيه كندا والمكسيك إن هما لم تخضعا لتعديلها وفق مشيئته، وبوادر حروبه التجارية القادمة مع العالم دونما تمييز بين من يراهم خطراً على الهيمنة الأميركية على اقتصاد العالم كالصين وروسيا، أو حلفائه الأوروبيين الذين باتوا وجهاً لوجه مع نكوثه عن المعهود في التجارة البينية معهم، وآخره ما كان مع هؤلاء في قمة السبعة، حين غادرها وقد باتت قمة ستة، بعد أن غرَّد ساحباً موافقته على بيانها المتفق عليه معهم وهو في طريقه جواً إلى سنغافورة…والآن، وجردة حساب لما حققه نجما مشهدية سنغافورة ترامب وكيم:
انتزع كيم جونغ اون اعترافاً بكوريا الشمالية دولةً نووية تجلس نداً لند ووجها لوجه مع الولايات المتحدة، واكتسب مشروعية دولية لنظامه، الذي لم يعد مارقاً في قاموس الغرب، وحصل على إيقاف للمناورات العسكرية الأميركية الكورية الجنوبية الموجَّه أصلاً ضد بلاده. وحصل دونالد ترامب على وعود قطعها كيم بنزع سلاحه النووي واعداً كيم بضمانات أمنية، وما حصل عليه سوف يحاول صرفه داخلياً كأنجاز سياسي خارجي سيقول إنه لم يسبقه إليه رئيس أميركي، وقد ينطلق منه، وهذا أمر وارد وغير المستغرب منه، لمواصلة تصعيد عدوانيته على إيران وسائر أوجه جاري استجابة إدارته لمخططات وسياسات نتنياهو في المنطقة…ما تمخَّض عنه جبل مشهدية الحدث السنغافوري نميل للقول بأنه لن يتعدى تجميداً لبرنامج كوريا الشمالية النووي والانتهاء إلى معايشته.

اوروبا وترامب…و”اميركا أولاً”

لم يهبط ترامب في البيت الأبيض من المرّيخ. اميركا حملته للمكتب البيضاوي وسلَّمته عنانها. الإمبراطورية في سن اليأس، التحوُّلات الكونية المتسارعة، تهتُّك سطوة آحادية القطبية، عنصرية احفاد المؤسسين البيض المعتَّقة اخرجها من مكامنها رعبها من التحوُّل الديمغرافي لصالح الملوَّنين واللآتين والمنحدرين من شتى أقوام الأرض، فعل العولمة الأميركية الأصل والتي اتاحت للشركات الأميركية النهمة الرحيل بمصانعها إلى حيث استغلال الأيدي الرخيصة في بلاد الله الواسعة تاركةً خلفها البطالة في دنيا “حزام الصدأ”، كلها أمور تضافرت للإتيان برافع شعار “اميركا أولاً” والمعبِّر عنه بفجاجته المميزة في سياساته اليومية والاستراتيجية.
ترامب ليس بالغبي ولا الأهوج أو المتهوِّر، ولا الجاهل بالعالم من حوله، أو من لا يمتلك رؤيةً استراتيجيةً، كما يحلو للبعض نعته، وتبسيط زائد هو توصيف حلفائه له بأنه ذاك الذي يصعب التنبوء بخطواته وعودته عنها. هو يعني ما يقول لأنه ليس بظاهرة عابرة، وإنما تعبِّر عن شريحة، بل كتلة صماء من الأميركيين تعادل ثلثهم، وهو عندما يغرِّد بعجائبه في “تويتر” يوجِّه رسائله لهؤلاء أولاً قبل اميركا، ولأميركا قبل حلفائها، ومن بعد لباقي العالم.
لأنه كذلك، ربما السر في أن اميركا الراهن قد اختارته سمسار عقارات، ولأن هذه هي خلفيته المهنية، فالسياسة عنده صفقات، ولا يرى العالم إلا من خلال دولار، وعبر هذه الرؤيا يرى مصالح بلاده، وبها يقيس علاقاتها بالعالم بمن فيه، أصدقاء وحلفاء وتابعين واعداء، والأهم أنه ليس في وارد التسليم بتراجع السطوة الأميركية الكونية ولا الهيمنة الاقتصادية على العالم ويكابر لمنع هذا التراجع.
الذي يعنينا في هذه العجالة هو التطرُّق إلى أثر هذه ال”اميركا أولاً” على علاقات الولايات المتحدة بالعالم وارتداداته عليها. مفارقة الجموح الجامع بين الانكفائية والعزلة في صورتها الحمائية والتشبُّث باستمرارية الهيمنة على قرار واقتصاد العالم، بمعنى وقف بوادر الانحدار الإمبراطوري. لكن قبله، لا بد من الإشارة إلى ثابتة أميركية ربما كان ترامب الأشد اخلاصاً لها من اسلافه، وهي النظرة الأميركية التليدة لدولة الكيان الغاصب في فلسطين باعتبارها امتداداً عضوياً للولايات المتحدة، لا سيما وقد اختلقت استيطانياً وعلى صورتها، أي بحلول المستعمرين محل أهل البلاد الأصليين وقيامها على جماجمهم…لذا أوكل أمر “صفقة القرن”، أو تصفية القضية الفلسطينية، لفريق من ادارته هو يهودي وصهيوني بالكامل يرأسه صهره كوشنر، كما يفسِّر كون مواقف ادارته المتعلّقة نتنياهوية بكاملها، أو كأنما هو عضو في حزب “إسرائيل بيتنا”!
فيما يتعلق بالأعداء، هدد الكوريين الشماليين، قبل انفراجة القمة المزمعة مع زعيمها كيم ايل اون، بسلاحه النووي، وانسحب من الاتفاق النووي الإيراني. ووصفت استراتيجية الأمن القومي الأميركي المعلنة الصين وروسيا ب”قوتين غريمتين…تسعيان للنيل من نفوذ وقيم وثروة اميركا”. أما بالنسبة للأصدقاء والحلفاء، فهو يتعامل مع جارته المكسيك باستعلاء فج، وقلب ظهر المجن لجارته كندا، وعليهما وعلى أوروبا فرض ضريبة ال25% على واردات بلاده  من الصلب و10% على الألمينيوم، ناهيك عن وصفه لحلف الأطلسي، الناتو، بالعديم الجدوى والفعالية ومطالبته للأوروبيين بالدفع مقابل الحماية، وإذ هو خرج من اتفاقية المناخ فاغضبهم، جاءت الحمائية تنذر بحرب اقتصادية معهم، واكتملت بتوعُّد شركاتهم بالعقوبات إذا استمرت بالعمل في إيران…أما بالنسبة للعرب فهو لا يرى في أصدقائه منهم سوى حقل صالح للابتزاز!
من شأن هكذا سياسة بداية أن تدفع كل من الصين وروسيا إلى التقارب الأكثر، والذي إن هو لا يصل حد التحالف فسيكون دونه بقليل، والمؤكد هو التوجّه نحو تعزيز شراكتهما الاستراتيجية القائمة لتأمين نفسيهما من نذر حرب اقتصادية تلوح وتصر خطواته على اشعال فتائلها، والتعاون وزيادة التنسيق معاً ومع غيرهما لدفن آحادية القطبية وتكريس عالم متعدد القطبيات مكانها. واوروبياً، وإذ يقول ماكرون، إنه “لا يمكن التفكير بأمن أوروبا من دون الولايات المتحدة”، فإن القارة العجوز، أما وقد اهتزت الثقة بين ضفتي الأطلسي إلى ابعد حد لم يكن ليتخيله أحد فيها مسبقاً، وشاءت أم أبت، لسوف تدفعها مصالحها التي تتهددها حمائية وسياسات ترامب إلى التفكير منفردةً في أمنها، وأن يراجع ماكرون مقولته هذه مكرهاً.
ليس من السهل على أوروبا مغادرة الخيمة الأميركية على المدى المنظور، وستحاول جهدها دون نجاح يؤمل الضغط لضبط البوصلة الأميركية، لكن الضرر الذي ستأتيها به حمائية ترامب، ومردود عقوباته على روسيا وإيران، أو أثره على شركاتها، وتداعيات ذلك على وحدتها، أمر ليس بمقدورها احتماله. أول الغيث هو التغيير الوزاري الإيطالي الذي جلب المناكفين لبروكسل والرفضين للعقوبات على روسيا…هل باتت اوروبا موضوعياً وجهاً لوجه أمام مغريات الخيار الأوروآسيوي؟!
…يتصرف ترامب وكأنما الصينيين لا يغطّون عجز ميزانيته بترليون وثمانمائة مليون دولار قروضاً أو سندات، وأن الكوريين الشماليين، الذين اصبح زعيمهم نجماً حينما بات نداً لترامب، لا يراقبون هم والإيرانيون التحولات الكونية ولا يدركون بوادر الضعف في الامبراطورية الآفلة…لن يسلِّمه الكوريون سلاحهم، ولن يخضع الإيرانيون لابتزازه، وسيزيد الروس من تلويحهم للأوروبيين بالفضاء الأوروآسيوي.

غزة…مسيرات العودة وسفن الحرية

لم تنتظر غزة وصول سفن اسطول الحرية المنطلق من اسكندينافيا لفك الحصار عنها. هي إذ عبَّرت عن ترحيبها به، تعلم سلفاً أن قافلته، بعد أن تتجاوز شتى المعيقات التي تعترضها في رحلتها الطويلة، سوف تلاقيها سفن حرب الاحتلال في عرض المتوسّط لتأسرها وتعيد ناشطي سفنها قسراً من حيث أتو… ومع هذا، هي بدورها أطلقت أول سفن حريتها لفك الحصار عنها. أطلقتها وهي تعلم أيضاً أن ميناء اسدود المحتلة سوف يكون مرساها الإجباري ونهاية ابحارها، وأن الجرحى والمرضى والطلبة الذين هم على متنها وبحَّارتها مصيرهم الاعتقال والإعادة. لكنها قررت فك الحصار المضروب على ضمير العالم، الذي يتفرج عليها وهي تواجه حصاراً إجرامياً فظيع التوحُّش طوال الأحد عشر عاماً الماضية ولا تزال، ويكاد يسهم جميعه بشكل أو بآخر وبمشاركة من الأشقاء في استدامته…قبل انطلاق سفينة الحرية، والذي هو لا يعدو قارب صيد، من ميناء صيَّاديها البسيط، دمَّر المحتلون سفينتين من مثله كانتا تتجهزان للانطلاق، فانطلقت ثالثة متحدية وانتهت رحلتها كما هو المتوقَّع مأسورة ومجرورةً إلى اسدود.
أكثر من أعطى الحدث الغزي الاهتمام الذي يرتقي لمستوى إدراك خطورة ما تعنيه رمزيَّته هو الاحتلال. لم يفصله بحال عن التجليات النضالية الإبداعية التي رافقت مسيرات العودة الكبرى، بل عطفه على تداعياتها. نظر لسفنها البسيطة بذات النظرة للطائرات الورقية، هذه المجتازة للأسلاك الشائكة، والأسوار الإلكترونية، وحشوده العسكرية، وتحلِّق متحديةً قبته الحديدية لتحط بنيرانها في مزروعات مستعمراته…الطائرات الورقية البسيطة اجتازت كافة دفاعات آلته الحربية المهولة، وسفن الحرية كشفت لمن يريد أن يكتشف، أو بالأحرى، فضحت من لا يريد أن يكتشف، مدى همجيته وعدوانيته. والإثنتان، الطائرات الورقية، وسفن الحرية، اعلنتا لكل من يهمه الأمر: غزة لم تعد تحتمل. وأما وقد خذلتها إنسانية العالم ونخوة الأشقاء، فقد قررت غزة أن تفك حصارها.
هذه الخلاصة هي السر الكامن خلف التصعيد العدواني الأخير ضد غزة. المحتلون استغلوا الظروف المافوق قدرة احتمال البشر في القطاع المحاصر، بمعنى الضاغطة على المقاومة لصالح عدم التصعيد من جانبها، أو هذا ما توقَّعوه، فصعَّدوا من عدوانية تواتر تصاعدها من جانبهم في الأسابيع الأخيرة، وصولا لذروتها باستهداف مواقع المقاومة واستشهاد أربعة مناضلين، وهدفهم كان واضحاً وجلياً، إنه تغيير قواعد الاشتباك السائدة بعد حربهم العدوانية الأخيرة على غزة العام 2014، أي “هدوء مقابل هدوء”، إلى جانب الضغط عبر الوساطات الشقيقة لفرض هدنة طويلة، والهدفان يوظِّفوهما في الخلاص من مسيرات العودة التي تؤرِّقهم وتطرح وجودهم الاستعماري بحد ذاته قيد البحث، حيث تعيد هذه المسيرات  القضية دفعة واحدة لأبجدياتها التي يحاولون هم والعالم والتسوويّون الفلسطينيون والعرب تجاهلها.
كعادتها، أو كما كانت تفاجئهم دائماً، فاجأتهم غزةً في هذه المرة. نقلت لهم عبر أكثر من مئة قذيفة صاروخية تساقطت على مستعمراتهم، لم تنجح قبتهم الحديدية في اعتراض ما هو أكثر من 17 منها، الرسالة التالية: من الآن فصاعداً إن “القصف بالقصف، والدم بالدم، وسنتمسَّك بهذه المعادلة مهما كلَّف ذلك من ثمن”…منعت غزة تغيير المعادلة، وفوَّتت على عدوها تحقيق اهداف عدوانه عليها، فهرع المتوسٍّطون الجاهزون عند الطلب لطلب يد التهدئة!
يمتلك الاحتلال كل ما امتلكه الغرب الاستعماري من قدرات الفتك الأكثر تطوراً وفتكاً، ولديه من أدوات القتل والدمار كل مستجداته منها، لكنه، ونظراً لإدراكه قبل سواه وأكثر من غيره لنقطة ضعفه القاتلة، وهي كونه الغازي والغريب الطارئ، أو الكيان الهش المفتعل، فهو يظل المفتقر لأبسط مظاهر الإحساس بالأمان والمنعدم الثقة في استمرارية وجوده، بالمقابل يريعه ويقض مضجعه ويسعِّر من فوبياه مشاهدة غزة العزلاء، التي بدمها المسفوح وكفها المدمي وصدرها العاري تناطح وظهرها إلى الحائط قوته الغاشمة، تمتلك كل هذه الأسطورية الفريدة صموداً وعناداً وإصراراً على مقاومةً  باتت تعني لها الحياة، وتصرُّ على أن تمارسهما كحق لها وإن تواطأ لمنعها القريب والبعيد..
في رصدهم لهذه الروح النضالية العربية الفلسطينية في غزة، واعترافهم بإعجازيتها والاندهاش منها، لا نعدم الكثير مما يعكسه اعلامهم، ومنه، تقول عميرة هاس في صحيفة “هآرتس”: “جنودنا الشجعان يطلقون النار أيضاً على الطواقم الطبية والذين يقتربون من الجدار لإخلاء الجرحى. الأوامر هي الأوامر، إطلاق النار حتى على الممرضين، لذلك فإن الممرضين ينتظمون في مجموعات مكوَّنة من ستة اشخاص، إذا جرح أحدهم يقوم اثنان بحمله للعلاج والثلاثة الآخرون يواصلون المهمة”.
… أية بطولة وأية تضحية هذه التي يشهد بها عدو، وبالمقابل أي عدو هذا الذي يقول واحد من أهله هو يحيعام فايتس، وأيضاً في “هآرتس” : “المجتمع الإسرائيلي يسير مغمض العيون خلف زعيم (يقصد نتنياهو) يثق بنفسه ومتبجِّح، يقودنا إلى حافة الهاوية. يمكننا أن نتذكَّر ما قاله النبي دانييل “اللهم قصِّر حياة نظام بابل”!
…غزة عبر مسيرات عودتها وسفن حريتها، ومفاجآت إرادتها النضالية، وإعجازية صمودها البطولي، واستشهادية مقاومتها الباسلة، قررت: الحصار لن يستمر، و”صفقة القرن” لن تمر..

شروط بومبيو أم أحلام نتنياهو؟!

نطق بومبيو بكل ما كان يلهج به نتنياهو ويردده منذ زمن أوباما. هذا هو مختصر ما تضمَّنته الاشتراطات الإثنى عشر التي يطالب بها وزير الخارجية الأميركي إيران ليعقد معها اتفاقاً جديداً يجب سابقه الدولي، المعروف ب”5 + 1″، والذي بات بعد انسحاب الأميركيين منه “4 + I”، حول الملف النووي الإيراني والمصادق عليه من قبل مجلس الأمن الدولي. جديد بومبيو يتسع للكثير الذي يتعدى هذا الملف، والذي من شأنه أن يجعل من إيران ، لو قبلته، وهي قطعاً لن تفعل، غير إيران هذه التي نعرفها ويعرفها الإيرانيون. كما أن بومبيو تفضّل فخيَّرها بين اثنتين لا ثالث لهما، إما القبول أو “عقوبات لم يسبق لها مثيلاً في التاريخ”!
ما نطق به وزير الخارجية الأميركي هو ما يشير بجلاء إلى كنه الاستراتيجية التي اعتمدها ترامب وأوكل أمر تنفيذها إلى ذئاب إدارته الثلاثة المتصهينين والكارهين للعرب والمسلمين والمشاركين في وضعها، جون بولتون، وجيم ماتيس، ومايك بومبيو، والتي ترسم كيفية التعامل المراد مع إيران. ويمكن أن نضيف للثلاثة ورئيسهم، جينا هاسبل، سيدة التعذيب الشهيرة، التي باتت مديرة لل”CIA”. أما هدف هذه الاستراتيجية، أو ما عكسته اشتراطاتها، فما من ما يدعونا للتردد في القول بأنه ليس سوى محاولة تغيير النظام في جمهورية ايران الإسلامية والإتيان بنقيضه.
شروط بومبيو معروفه، وفوق كونها تعجيزية، وتضمنت مطالب مضحكة، من مثل، “وقف دعم تنظيم طالبان والقاعدة”، فهي تتضمن تدخلاً سافراً ومباشراً في الشؤون الداخلية الإيرانية، أما جوهرها، فهو فوق الإنهاء الكلي للبرنامج النووي السلمي الإيراني والتمهيد لتدمير المنجز منه، إنهاء برنامج الصواريخ البالستية وتدمير راهن الترسانة الإيرانية منها لحرمان إيران مما توفره لها من وسيلة دفاعية مشروعة. يليه، وتحت يافطة “وقف دعم الإرهاب”، مطالبة طهران بوقف دعمها للمقاومتين اللبنانية والفلسطينية والحشد الشعبي العراقي، ثم مطالبتها ب”وقف التدخُّل في نزاعات الشرق الأوسط”، التي تعني وقف مساندتها لحقوق الشعب الفلسطيني، ولسورية في مواجهتها للحرب الكونية التي تُشن عليها، أضف إليه، موقفها إزاء وحدة العراق وحرب اليمن، وأخيراً، مطالبتها بالانسحاب وإنهاء وجودها العسكري الداعم لسورية.. باختصار، هم هنا يتجاوزون الملف النووي إلى الشؤون العسكرية الإيرانية، وعلاقات دولة إقليمية كبرى بإقليمها، والهدف، كما قلنا، تغيير النظام كأولوية لهم وخدمةً لإسرائيلهم.
ومع أن اشتراطات بومبيو ووعيده يرتقيان إلى مستوى اعلان حرب، فلا نعتقد بأنه من السهل على الإدارة الأميركية ولا في واردها التورُّط في هزيمة مضافة لمتوالية تلك الهزائم التي حصدتها كافة حروب بلادها العدوانية الخاسرة، التي تلت الحرب الكونية الثانية. الفيتنام، أفغانستان، العراق. والمرجَّح أنه لازال في الإدارة الأميركية هناك من يدرك بعد أن إيران ليست العراق أو أفغانستان ولا ليبيا.
وعليه، أما وأن لائحة بومبيو مرفوضة من إيران، فعقوبته “التاريخية” ستعني حصاراً اقتصاديا شبيها بذاك الذي فرض على العراق، أو المضروب على كوريا الشمالية. وهذا يفسّر كل مظاهر البهجة التي عمت الكيان الاحتلالي الغاصب في فلسطين، لاسيَّما المستويين السياسي والإعلامي المرحبين بوعيد بومبيو، وإن لم يخلو ضجيج هذه البهجة العارمة من تفرُّد أصوات تنبَّهت ونبَّهت إلى وجوب عدم المغالاة في المراهنة على اشتراطات الإدارة الأميركية وحصاد وعيدها الخلبي، ومن بين هؤلاء يوسي ملمان محلل الشؤون الأمنية في صحيفة “معاريف” الذي وصف شروط بومبيو ب” قائمة أحلام نتنياهو” ونعتها بالآمال.ٍ
لقد خبرت إيران طيلة الأربعين عاماً الماضية، التي أعقبت انتصار ثورتها الإسلامية، كافة أوجه التهديدات الأميركية، والتي لم تتوقف من حينها. والإيرانيون لم يفرقوا يوما كبعض العرب بين الأميركان واسرائيلهم، وهم يعيشون حصاراً ممتداً تعايشوا معه واحتالوا ما في وسعهم للتخفيف من وطأته، والذي رافقهم منذ أن وطئت اقدام الإمام الخميني ارض طهران بعيد اندلاع الثورة، وفي ظل العدوانية الأميركية والحصار الدائمين أسسوا نظامهم وأقاموا دولتهم الإقليمية الكبرى وبنوا نفوذهم في محيطهم، وشادوا بُنى قدراتهم العسكرية ونمّوها باضطراد حتى باتت هاجس الغزاة المحتلين في فلسطين ومدعاة تحريضهم الذي لا ينقطع للعدوانية الأميركية وحثها الدائم ضدهم. لذا لا اعتقد أن من خبروا عدوانية “الشيطان الأكبر” قد فوجئوا بلائحة بومبيو، مثلما هم لم يتفاجئوا بخروج ترامب من اتفاقية الملف النووي، واجزم بأنهم قد استعدوا لكافة السيناريوهات المترتبة.
يدرك الإيرانيون أن تهديدات بومبيو ليست موجَّهً لهم وحدهم، وإنما تطال معهم الأربعة زائداً واحداً. وإذ لا يثقون في الأوروبيين، ولا يعتمدون كثيراً على غضبتهم من بلطجة حليفهم االمضرة بمصالحهم، وأقله، أن حصار النفط الإيراني، سيرفع من سعر نفطه الصخري، يدركون أنهم لن يبتعدوا كثيراً عن بيت طاعته. لذا بدهائهم التليد وصبر صانع السجَّاد الماهر، بينما ينطلقون من اعتمادهم على الذات، يضربون على وتر المصالح الأوروبية التي تتهددها سياسات ترامب، ويولون التحولات الكونية الدائرة من حولهم، والتي يقرأون جيداً كنهها، ما تستحقه من مراهنات وينسجون علائقهم بما ينسجم معها ويفيدهم منها.

المسيرة والسفارة والصفقة

نصَّب ترامب نفسه مؤرخاً. في يوم احتفالية نقله سفارة بلاده إلى القدس المحتلة شارك المحتفلين من واشنطن زاعماً: إن “القدس هي العاصمة التي أسسها الشعب اليهودي لنفسه في الماضي السحيق”. لا من داع لمناقشة ترداده لكذبة تستند لزعم خرافي، ترداد كاشف لجهل مردده، إن لم يكن استهتاره المتعمَّد، بالتاريخ. التاريخ حاسم باليبوسية العربية للمدينة تأسيساً، وشاهد على أن الفلسطينيين كانوا في فلسطينهم قبل وبعد سطو مسطِّري التوراة في بابل على اساطير المنطقة وتلفيقها وتحويلها تاريخا مزعوماً، وإنهم، الفلسطينيون، وهم أهلها، قد ظلوا فيها ولم يغادروها حتى يومنا…لكن ترامب اردف بما له ما يترتب عليه، وهو أن “القدس عاصمة لإسرائيل واليوم نفَّذنا قرار نقل السفارة إلى المدينة”…ماذا يعني؟
أن نقل هذه السفارة، واعتبار المدينة عاصمةً لمحتليها، والاختيار المقصود وغير الاعتباطي لتوقيت نقلها، أي المصادف لذكرى النكبة وقيام كيانهم الغاصب على أنقاض الوطن الفلسطيني، يعني ببساطة وضع كل حكاية القوانين الدولية، وما تدعى قرارات الشرعية الدولية، في سلة المهملات، كما هي العادة إزاء المتعلق بالقضية الفلسطينية. هذا يعني أنه من الآن فصاعداً بالنسبة لواشنطن، ومعها ذيولها وملحقاتها اوروبياً ودولياً، ووفق مستجدات انهيارات الواقع العربي، عربيا، لم يعد من احتلال ولا محتلين في فلسطين، ولا  في الأراضي العربية الأخرى، أي الجولان السوري المحتل ومزارع شبعا اللبنانية. لأن الاعتراف بضم القدس المحتلة، واعتبارها عاصمةً لمحتليها، يمكن سحبه ضمناً على كافة المستعمرات التي شيدت في كل المحتل بعد العام 1967…إنه تغيُّر أساس في الخطاب الأميركي المعلن، ولا نقول المُبطَّن، إذ أنه لم يختلف يوماً في جوهره عن هذا المعلن.
الوفد الأميركي القادم للمشاركة في احتفالية نقل السفارة برئاسة ايفانكا ابنة ترامب، والبالغ عديده ثلاثمئة، من بينهم وزير الخزانة، ونائب وزير الخارجية، وصهر ترامب ومستشاره جاريد كوشنر، وعشرات أعضاء الكونغرس، كان كل متحدثيه في الاحتفالية يهوداً صهاينةً وغلب على حديثهم في الاحتفالية الطابع الديني. بل قيل إن الوفد بمجملة مشكَّل من يهود صهاينة وإن كان هناك فيه من لم يكن كذلك فمتصهين. من الفئة الأولى مثلاً، وزير الخزانة، ونائب وزير الخارجية، وايفانكا التي تهودت، وزوجها كوشنر، والسفير ديفيد فردمان. الأخير لخَّص كل ما باتت واشنطن لا تنفك راهناً تكرره بشكل أو بآخر من خلف تل ابيب، لدرجة يبدو فيها البيت الأبيض ناطقاً رسمياً باسم ما تعرف ب”الكابينت”، أو الحكومة المصغَّرة، في الكيان الغاصب…قال:
إن نقل السفارة “بُني على مصالح أميركية، وهو يخدم الولايات المتحدة”، ما يعني هنا التطابق الكامل بين الرؤيتين الأميركية والاحتلالية، وترجمته كانت في قوله الآخر، وهو إن نقلها يعد خطوةً “ستخلق فرصةً لدفع المسيرة السلمية على أساس الواقع وليس التهيؤات”! بمعنى أن “صفقة القرن” الموعودة لا تحمل معها سوى فرض فجّ لتصفية القضية، أي حل الأمر الواقع النتنياهوي لا “تهيؤات” الحلول التي قد تخامر الرؤوس التسووية الفلسطينية والعربية.
…وتكتمل صهينة الخطاب الرسمي الأميركي المعلن، أو تخليها عن قناعها التليد، بمفاخرة السفير الأميركي في تغريدة له على “تويتر” يقول فيها: “لقد اعتدنا نحن اليهود أن نقول العام القادم في القدس، والآن نقول هذا العام في القدس”…أما لجهة ما عناه الحدث للكيان الاحتلالي فعبَّر عنه نتنياهو حين اعتبر اعتراف ترامب بالقدس عاصمة لكيانه لا يقل عن اعتراف ترومان بإعلان قيامه، ولا عن وعد بلفور للحركة الصهيونية…فماذا عن سلطة أوسلو بعد أن اجهزت سفارة ترامب على ما تبقَّى من اتفاقية اوسلو؟
أدانت، وشهرت مجدداً سيف محكمة الجنايات الدولية، ورفعت معه راية وساطة السلام الدولية متعددة الأطراف كبديل للأميركي الذي لم يعد وسيطاً، وعلى صوتها الشاجب لدرجة أن رئيسها قال لأول مرة بما يجمع ولا يختلف عليه الفلسطينيون، حينما وصف السفارة المنقولة إلى القدس ب”المستوطنة”…لكنما كل مواقفها ومجمل ردود افعالها ظلت تعبّر عن انعدام البديل لديها عن تليد مسارها الكارثي على مدار ربع قرن جاءت “مستوطنة” فردمان المقدسية نهاية منطقية لمشواره المدمّر الذي لم يكن ليفضي إلا إليها!!!
وكعادته، في المنعطفات الخطرة التي تداهم قضيته، جاد الشعب الفلسطيني بمستجد من ابتكاراته النضالية التي لا تنفد. مسيرة العودة تكفلت بتبهيت احتفالية ايفانكا المقدسية. تضحيات غزة كانت الباهظة لكنها أعاقت لأجل غير مسمى انعقاد بازار صفقة أبيها…كان عرب التصفية والتطبيع قد اقترحوا هدنة طويلة الأمد مستغلين حصارها وجوعها، لكنما الغزيين بأجسادهم تصدوا للهرولة، وعلى الأسلاك الشائكة اسقط الدم الفلسطيني حديث افك العدو البديل، وأعاد التأشير على العدو الأصيل، ابتنى سده المانع لمتوالية الانهيارات العربية، فخفت حديث الهرولة التطبيعة، واضطرت جامعة الأنظمة للإفاقة من سباتها، بعد مجزرة غزة بيومين، ولحقت بها القمة الإسلامية بعد ثلاثة، واعادوا علينا ذات البيانات التي لطالما عهدناها وحفظناها عن ظهر قلب…المطلوب، أن تتحوَّل مسيرات العودة إلى انتفاضة شاملة يردفها العصيان المدني… وأن تقف جماهير الأمة مع فلسطينها المنتفضة.

المحتلون وسبعون عاماً على النكبة

في مقال سابق تعرضنا للأبعاد الثلاثة التي يرتكز عليها الوجود الكياني الاحتلالي الغاصب في فلسطين. قلنا إنهما الدور الوظيفي التخادمي في سياق المشروع الغربي الاستعماري المعادي للأمة العربية، والبعد الأمني للكيان، الذي لو تعرَّض للاهتزاز الفعلي لغادر مستوطنوه الغزاة كيانهم إلى من حيث أتوا، ثم البعد الديني، الحامل معه روايات ذات مرتكزات تلفيقية أسطورية وحتى خرافية. بالنسبة للأول، يكثر، لاسيما في هذه الأيام، حديث التوجُّس في داخل هذا الكيان وخارجه عن بدء تراجع هذا البعد مع بدء تراجع المشروع الأكبر المندرج في سياقه وتحت مظلته مشروعهم الاحتلالي الأصغر، ونعني المشروع الاستعماري الغربي التاريخي، والذي عنوانه الراهن هو الأميركي…توجّسهم هذا تُرجم ولولة لم تتوقف منذ أن اعلن ترامب نواياه في سحب قواته من سورية، وزاد منها فشل العدوان الثلاثي عليها، إذ نسمعهم يرددون ما كنا سمعناهم يقولونه يوم أن قرر أوباما سحب جيوشه الغازية من العراق: “لقد تركونا وحدنا”!
وبخصوص الثاني، أمن المحتلين، فإن في المشهد المريع لحالة الانحدار العربية، الناجمة عن الفشل المزمن لما كان يدعى النظام العربي، بمعنى السقوط الذريع للقطرية العربية، التي اقتاتت على تغييب وحدة الأمة واستمرأت التبعية، وتخلَّت عن قضيتها المركزية في فلسطين، هذه التي لا تُجمع ولا تجتمع الأمة إلا عليها، أو المفترض أنها بوصلتها وشاحن تفجير طاقاتها وشحذ عوامل نهوضها، ما قد أدى بالمحتلين، إلى جانب إحساسهم بتخمة ترسانتهم العسكرية وتفوُّقها، والدعم الغربي متعدد الأوجه وغير المحدود، إلى حالة اطمئنان أفضت إلى ارتفاع مستوى الفجور في عدوانيتهم، وانفتاح في شهيتهم التهويدية.
بيد أن من شأن هذا أيضاً، وكرد فعل له، إذكاء الوعي الجمعي للأمة بمدى خطورة راهنها، وزيادتها ادراكاً بأن ما تواجهه إنما هو صراع وجود لا حدود، وأن يُهيئ من ثم الأرضية الشعبية المتقبّلة لثقافة المقاومة، أو ما هو يتم الآن حثيثاً وإن لا يبدو جلياً لبؤس المرحلة. إنه الأمر الذي يتنبَّه له العدو ويقلقه، وجاء انتصار سورية في مواجهة حرب كونية تعرضت لها على مدى السبعة أعوام الأخيرة ولا تزال، ليفاقم من هذا القلق…ناهيك عن فوبيا الديموغرافيا الفلسطينية، اضف إليه، الانتفاضات المتتالية، ومستجدات المبتكرات النضالية، وآخرها مسيرات العودة، أي كل ما من شأنه هزَّ ثقة الاحتلال في أمنه، بل جاعلاً منه أمر اليوم بالنسبة له.
ترسانتهم الأكثر تطوراً ومواكبةً لأحدث ما توصَّلت إليه العقلية الغربية الاستعمارية من مبتكرات الموت والتدمير لا يرونها ضامناً موثوقاً وكافياً لوجودهم، هذا الذي يدركون أنه المفتعل والمرفوض والملفوظ من قبل محيطه، لاسيما وأن التطور على الصعد البالستية والسوبرانية، مع الإرادة النضالية المتبدية في النهج المقاوم وما تختزنه من ابداعات متكيفة مع واقع المواجهة وضروراتها، تضعهم في سياق مواجهة مختلفة عن تلك التي اعتادوها زمن الجيوش النظامية العربية…منذ الانكفاء أمام المقاومة اللبنانية عام الألفين، وفشل حربهم على لبنان بعدها بستة أعوام، و حروبهم الثلاث الفاشلة الاستهداف على غزة، أدركوا انتهاء الزمن الذي يحلمون فيه بتسجيل الانتصارات. إنه وجع جنرالاتهم وسياسييهم ومستعمريهم بلا استثناءْ.
بالنسبة للبعد الثالث، أو الديني المثقل بالأسطرة والتلفيقية التاريخانية، ولسنا هنا بصدد الدخول في نقاشات دينية ليست موضوعنا، لكنما التأشير إلى أهمية هذا العامل كلاصق لموزاييك تجمُّع استيطاني استعماري جيء بأشتاته من اربع جهات الأرض، لاسيما وأن كيان هذا التجمُّع يشهد في هذه المرحلة صعوداً هائلاً للتيار الديني بلبوسه الصهيوني الأشد غلواً، والذي يحكمه اليوم، يقابله انحسار حتى الهامشية لما يدعونها الصهيونية العلمانية. والمفارقة أنهم هم من بدأوا، وقبل سنين من كارثة 11 أيلول/سبتمبر النيويوركية، باصطناع فزَّاعة الإسلاموفوبيا، واجتهدوا مبكّراً لإطلاقها في أوروبا عبر التحذير من اسلمتها، رغم أنهم الكيان الوحيد في العالم الذي يرتكز إلى “الوعد الإلهي” المزعوم في تسويغ وجوده الاستعماري وجلب المزيد من مستعمريه ليسرقوا أرض الآخرين.
هذا التيار لم تعد من قوة في كيانهم بقادرة على أن تنازعه القرار في مجتمع مشبع من الأساس بالكراهية والعنصرية والعدوانية تجاه الآخر الفلسطيني الذي يرى فيه نقيضاً وجودياً له، وهنا تجدر الإشارة إلى تصريحات وفتاوى الحاخام الأكبر الراحل عوباديا يوسف الشهيرة، والذي كان يعد الأب الروحي لحزب شاس الديني المتطرّف، والذي كان يصف العرب بأولاد الأفاعي، وفتاوي ابنه من بعده وحاخامات المستعمرات، التي تجيز قتل الأطفال الفلسطينيين وهم أجنة في بطون أمهاتهم، وهؤلاء في عرف وزيرة عدلهم ايليت شاكيد إرهابيون حيث هم وقبل أن يولدوا!
البعدان، الدور والوظيفة في سياق الاستراتيجية العدوانية الغربية، والأمن، يتكاملان مع الفتاوي التحريضية المستندة إلى مقولات توراتية دوّنت بعد النبي موسى بسبعمئة عام، أي ما أشرنا إليه في مقالنا السابق بالمزاوجة بين الأساطير التوراتية والأطماع الاستعمارية…ومنه، وعد يهوا لإسرائيل بأن يقوده لأرض ليست أرضه، بل: “إلى مدن عظيمة لم تبنها، وبيوت مملوءة كل خير لم تملأها، وأبار محفورة لم تحفرها، وكروم زيتون لم تغرسها” (سفر التثنية) !!!