Skip to content

قرار كوشنر…ووعد ترامب!

كأنما كان يتلو عبارات صاغها، أو لقَّنها له، نتنياهو. اعلن الرئيس الأميركي ترامب ضم القدس الكبرى، التي تشكّل مساحتها الآن من 12 إلى 15% من مساحة الضفة الغربية إلى الكيان الصهيوني، فاتحاً الطريق لضم ما تبقى منها، المهوّد وما في سبيله للتهويد. اعترف بها عاصمة للمحتلين، وأمر بنقل سفارة بلاده من تل ابيب إليها. استحق هذا منه امتداح رؤبين ريفلين، رئيس هذا الكيان، ل”أجمل هدية لإسرائيل” في الذكرى السبعين لإقامتها، والخمسين لاحتلال القدس الشرقية. لقد كان استكمالاً لمشوار اميركي بدأه ترومان، واحياءً على طريقته الكاوبوي للذكرى المئوية لوعد بلفور بوعد رديف يمكن أن يطلق عليه وعد ترامب.
وإذ لا يمكن تخيّله إلا قراراً صهيونياً بامتياز، وحتى وصفه بقرار صهره ومستشاره كوشنر، فلا يعتي عدم كونه اميركياً وبامتياز أيضاً، فالرجل لم يفعل أكثر من تنفيذ قرار للكونغرس كان قد اُتّخذ عام 1995 وباجماع اغلبية كلا الحزبين فيه الجمهوري والديمو قراطي، لكنما الرؤساء الأميركان من يومها وحتى ترامب أجّلوا تنفيذه حرصاً منهم على المصالح الأميركية في المنطقة. خالفهم ترامب فقدَّم المصالح الصهيونية والانتخابية لينفَّذ ما رأى أنه قد “تأخَّر كثيراً”، وهو لم ينفّذه إلا بعد إلقائه نظرةً على الواقعين، العربي البائس، والدولي المناسب، ثم ما استشفه ابَّان اتصاله برام الله وعمان والقاهرة لإبلاغهن بقراره، ليخلص بالتالي إلى ما تطابق مع ما قاله الجنرال عاموس يادلين، رئيس الاستخبارات العسكرية الصهيونية ازاء التحذيرات التي سبقت الإعلان، من أن “الفلسطينيين والعرب والأتراك يهددون بمسدس فارغ”!
ليس ثمه من شك في أن بؤس الواقع العربي والتهافت الأوسلوي هو من سهَّل على إدارة ترامب ما صعُب على الإدارات الأميركية السابقة. ردود الفعل العربية الرسمية ومعها سلطة رام الله، حتى الآن، لا يبدو أنها في وارد تجاوز توصيف الجنرال يادلين. يحذرون ويشجبون بينما العدو يرسم العلمين الصهيوني والأميركي ضوئياً على اسوار القدس… نقول هذا بمعزل عن ردود الافعال الشعبية العربية، هذه التي كمقدمة لآتيها، يسيل الآن الدم في القدس وغزة ورام الله تعبيراً عنها ومجرَّد بدايةً للمتوقَّع منها، والتي إن هي ليست في حسابهم، فلن تكون في مدى غير بعيد بحسبانهم.
الجامعة العربية، ناشدت ترامب عشية اعلانه لقراره ب”لعب دور محايد”! ونحن بانتظار ما ستصدر في بيان اجتماع مجلس وزراء خارجية دولها المزمع من ادانات سمعنا مثلها مراراً في بيانات سابقة، وكذا مؤتمر دول العالم الإسلامي الذي تمت دعوته ولم يعقد بعد. أما العالم، ولنأخذ اوروبا مثالاً، ذلكم لتغنَّى بعض الواهمين ببعض اعتراضاتها احياناً على سياسات، أو حماقات ترامب. لقد لخَّصت السيدة موغريني مواقف اتحادها المتعلقة ب”خطوة آحادية الجانب”، لها “تأثير سلبي” على عملية السلام، وكان أقصى مداها أن ماكرون “يأسف”، وميركل “لا تدعم”، وتيريزا ماي “لا تتفق” مع ما اقدم عليه ترامب… وهذه أمور مما لا يأبه به رجل من مثل ترامب!
قبل هدية ترامب لريفيلين، اصدر مجلس النواب الأميركي بالإجماع قانوناً بقطع المساعدات الأميركية لسلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود تحت الاحتلال ما لم توقف صرف مخصصات أسر الشهداء والأسرى، التي يصفها القانون ب”المكافآت على جرائم العنف”! وتم اقفال مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وذلك ضغطاً ممهداً لجلب فلسطينيي اوسلو للتفاوض انطلاقاً من التسليم سلفاً بأن القدس، و المستعمرات، وعودة اللاجئين، والسيطرة على الأغوار، أو الحدود مع الأردن، قد باتت وراء ظهر المتفاوضين، وتعالوا لنتفاوض حول كيفية ادارة ما خلاها من نتف سكانية متناثرة ومعزولة وحيث لا مانع من تسميتها دولة أو امبراطورية، وإلا نحمّلكم فشل “صفقة القرن” التي لم نطرحها بعد ولم يعقد بازارها!
ليس ما اقدم عليه ترامب، وبالنظر لراهن الحال العربية، هو من غير المتوقَّع، وعلى خطورته، فإن فيه ما يجعلنا نقول رب ضارة نافعة … دفن ترامب بفعلته احبولة “المسيرة السلمية” الكارثية، وأهال التراب على شرك “حل الدولتين”، وشيَّع ما كان يدعى زوراً “النظام العربي” إلى مثواه الأخير، وأجهز بضربة واحدة على أوهام “صفقة القرن”، أو نفَّذها سلفاً على طريقته وكفى نفسه عناء عقد بازارها، فاحرج الملوحين بعروض التطبيع المجّاني في انتظار غيثها، وأزرى بمتذرعي “التمكين” التصالحي في الساحة الفلسطينية…وأخيراً، اسقط  فرية “الشرعية الدولية” بمواثيقها وشرائعها وقوانينها، أو الأسس المزعومة المقام عليها ما يدعى “النظام الدولي”، التي لم يحترمها الأقوياء وكانت هراوتهم لقمع الضعفاء، الذين وحدهم من يحترمونها ولم يشفع لهم تمسُّكهم بها…
باختصار قال لعربه وعرب الأمة، أميركا عدوكم الأول، وإذا لم يك بالممكن أن يتم اصطناع الكيان الصهيوني الاستعماري الغازي في بلادكم بدون المشاريع الاستعمارية الغربية، فليس من الممكن تمكينه وابقائه وضمانة استمراره بين ظهرانيكم من دون تعهُّد ذلك من قبل صانعيه…
…رب ضارة نافعة، لعلها الصدمة التي تحتاجها الأمة العربية، خدمة غير مقصودة، منعطف لخلاصها من قبضة الانهزامية وثقافة الاستسلام، وفرصة اتاحتها عدوانيته لانبعاث روح المواجهة وثقافة المقاومة في ربوعها الجريحة.

Advertisements

“التمكين”…و”الدولة ذات المفهوم المختلف”!

سلطة بلا سلطة توصيف بات في حكم المصطلح، ومجمع عليه في الساحة الفلسطينية بقسمتيها وتلاوينهما، معارضو منتج اتفاقية أوسلو، أو سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود تحت الاحتلال…المحدود بما لا يكاد يتجاوز كثيراً صلاحيات بلدية، مع شرط التعاون الأمني مع المحتلين بشأن ما يحفظ أمنهم…ومريدو نهج اوسلو وحتى قادته. الكل ردد هذا التوصيف وعكسته شكاوى حال هذه السلطة خلال ما يقارب الربع قرن مر على توقيع الاتفاقية الكارثية.
والمناخ الأوسلوي بدوره ولآَّد للمصطلحات التي هي من نسله. خلال العقد ونيّف الأخير ساد في الساحة مصطلح آخر هو من تداعيات المنتج عينه عُرف ب”الانقسام”، والذي نرى أنه سوف يظل الملازم للسياق الأوسلوي مهما طالت مسلسلات التكاذب التصالحي وتعددت عروضه المتواترة وغير الشيّقة، هذه التي بات راهنها بامتياز سيد التجاذبات الارتباكية الدائرة الآن في الساحة الفلسطينية.
السلطة “البلا سلطة”، ومعها “الانقسام”، الذي على خشبته تدور مشاهد كرنفالات التكاذب التصالحي، أي المنتج بدوره لحكومة “توافق اللا توافق”، إذ لم تلتزم ببند واحد من بنود “اتفاق الشاطئ” الذي أوجدها، ثلاثتهما الآن بصدد انتاج مصطلح رابع، ينطبق عليه المأثور العربي “من شابه اباه فما ظلم”. اباه وأمه معاً هي السلطة بلا سلطه، أما الوليد المنتظر فهو مصالحة “اللا مصالحة”…لا تستغربوا كم هذه السياقات ولاَّدة لمصطلحاتها العجائبية، وتذكَّروا معنا فحسب ذاك المصطلح الذي كان إيذاناً ببداية حنجلة الرقص التسووي، “اللعم”…ولنعد لما نحن بصدده.
سلطة بلا سلطة في رام الله تريد بسط سلطتها “كاملة وغير منقوصة” على غزة، رافعة سيف مصطلح خامس هو “التمكين”…تمكين حكومة “الوفاق الوطني”، أو عملياً توافق “اللا توافق”، والتي تمثّل فريقا واحداً لا شريك له، من بسط لا توافقها مع نهجها، أو برنامجها وحدها، على القطاع المحاصر والمعاقب.
السؤال الآن في الساحة الفلسطينية هو، اما وإذا كانت هذه الحكومة العتيدة قد استلمت فعلاً هذه السلطة، وبشهادة شاهد من أهلها، هو عضو اللجنة المركزية لحزبها الدكتور محمد اشتية، القائل إن “حكومة الوفاق” قد “تسلّمت المعاير في غزة على أكمل وجه”، وزاد، إن “إخواننا في حماس متعاونون على اكمل وجه في كل ما يتعلّق بمفاصل المصالحة”، وإذا كان هذا التسليم قد شمل الوزارات والإدارات ومقراتها وفي سبيله للإتمام، فما هو كنه هذا التمكين الذي ينقصها لكي ترفع عقوباتها غير المبررة لمليوني فلسطيني مُنتكبين بحصار ابادي طال، ويعيشون ظروفاً وأوضاعاً كارثية يصفها حتى الأعداء بأنها باتت فوق طاقة البشر؟!
قبل الإجابة، لابد من الإشارة إلى أن الجميع، ممن يتفقون أو يختلفون مع حماس، لاسيَّما رام الله، لا يخفى عليهم أن الظروف المحيطة بهذه الحركة، والحالة الكارثية في القطاع، وفوقه ربما مراجعاتها، وفي ظل قيادتها الجديدة، هو ما دفعها لأن تقرر جازمةً التخفف من أوزار السلطة وتبعاتها الثقيلة، وغسل يدها من أوصاب خطيئة استراتيجية سحبتها إلى داخل الملعب الأوسلوي، وبالتالي ألقت بكرة السلطة في ملعب السلطة بلا سلطة والتي لا ترضى عن السلطة بديلا. والكل بات على بيّنة من أن الأولى تصر على المصالحة كمخرج لمأزوم، وأن الثانية فوجئت وارتبكت ولم تجد سبيلاً من مداراة الوسيط، بعد أن اطمأنت إلى مباركة الأميركان وموافقة المحتلين، وتبحث الآن عن ذرائع تمكينية تؤدي لهدفين:
التعامل مع حماس كخاسرة، أو خنق المصالحة واتهامها بخنقها…والمفارقة أنه مع أن الطرفين لا زالا يرفعان شعار ” المصالحة خيار استراتيجي”، لكنما الأيام الأخيرة التي أعقبت التسليم استبدلته للغزيين بالتمكين…
قرر الوزير حسين الشيخ وعضو مركزية حزب السلطة أن سلاح المقاومة لم يعد شأناً فصائلياً ولا تنظيمياً، واتهم مسؤول ملف المفاوضات التصالحية الدائم، المتغني بالوحدة الوطنية إثر توافق القاهرة الأخير، عزّام الأحمد، ايران بأنها “المموّل الأول للانقسام الفلسطيني”، مردداً مقولة “التمكين كلياً” مقابل رفع العقوبات، وزاد الطين بلة أن أمر رئيس “حكومة التوافق” موظفي غزة ما قبل “الانقسام” السبعين ألفاً، والذين أُمروا قبل عقد ونيّف بالجلوس في بيوتهم تحت طائلة إيقاف راتب من لا يفعل، أي لم يستنكفوا كما وصفهم في قراره، بالالتحاق فوراً بعملهم، علماً بان حكومته كانت قد احالت جزءاً كبيراً منهم على التقاعد وخفضت رواتب البقية بحوالي الثلث، بمعنى الطلب منهم  طرد خمسين ألفاً ممن عيّنوا ليحلوا محلهم طيلة أمد هذا الانقسام المديد والحلول محلهم…تدخّل الوسيط المصري فتراجع الحمد الله، وصدر قرار رئاسي بمنع التصريحات التمكينية…
تعلم رام الله أن فصائل المقاومة لن تسلّم بندقيتها، وإن حرمان خمسين ألف عائلة غزيّة من مورد رزقها بطرد عائليها يعني الفوضى والانفجار…وعودة للإجابة على سؤالنا، إذاً ما السر في لغم التمكين ؟!
الجواب نجده لدى صحيفة “إسرائيل اليوم”، قالت، إن “السلطة تتعرَّض لضغوط عظيمة من دول المنطقة لإحياء المفاوضات، وإعادة التنسيق الأمني الكامل مع إسرائيل، وذلك لأنشاء جبهة إقليمية لصد النفوذ الإيراني في المنطقة ومكافحة الإرهاب” …التفاوض على آخر نسخة حل لصاحبيها نتنياهو-ترامب، دولة، ولكن “بمفهوم مختلف”!!!

نتنياهو والشارع العربي

في خطاب له أمام الكنيست قال نتنياهو، إنني “بكل أسف، لم التق حتى الآن بالسادات الفلسطيني، الذي سيعلن رغبته في انهاء الصراع ويعترف بدولة إسرائيل بأي حدود كانت ويدعم حقنا بالعيش بأمن وسلام”!
المفارقة أن كل هذا قد حققته له، وقبل ما يقارب الربع قرن، “اتفاقية أوسلو”. انهاء الصراع تحت يافطة وهم “حل الدولتين”، والذي ما انفكت الأدبيات الأوسلوية تردفه بلازمة “تعيشان جنباً إلى جنب بأمن وسلام”، والاعتراف بكيان الاحتلال، وبالتالي التنازل له عن 78% من فلسطين التاريخية، أو ما اغتُصب اثر النكبة الأولى عام 1948، واعتبار ما احتُل بعيد النكبة الثانية عام 1967، أي ما تبقى منها، أراض متنازع عليها وتحت طائلة المساومة، وعملياً طائلة التهويد كما هو الحال راهناً…ثم جاءت “مبادرة السلام العربية” لتبارك هذا وتصادق عليه وتزيد من عندها من مغريات مسالمتها تطبيعاً عربياً شاملاً.
خطاب نتنياهو هذا كان بمناسبة احياء الكنيست لذكرى مرور أربعين عاماً على زيارة السادات للكيان الصهيوني، وفيه خاطب صهاينته وكأنما هو يكشف سراً، بأنه، وبرغم مرور كل هاته السنين، فإن “العقبة الكبرى أمام توسيع السلام لا تعود لقادة الدول حولنا، وإنما للرأي العام السائد في الشارع العربي”، بمعنى أنه لم يعد يرى سوى هذا الشارع رافضاً مسالمة كيانه المغتصب لفلسطين.
في مقال سبق تعرضنا لما وصفناه بالفجور العدواني الصهيوني المتصاعد طرداً مع تفاقم حال التردي في الواقعين الرسميين العربي والفلسطيني، وازدياد مناسيب التصهين الأميركي وبالتالي امتداداته الكونية ومنها العربية. ما قاله نتنياهو يأتي في ذاك السياق، وجديده دعوته الصريحة، الآخذة بحسبانها الاتكاء على الأجواء السائدة اقليمياً ودولياً والضابطة حركتها على النبض الترامبوي، للفلسطينيين بإعلان الاستسلام النهائي دون قيد أو شرط، وموافقتهم النهائية على تصفية قضيتهم، باعترافهم “بدولة إسرائيل بأي حدود كانت”، مقابل تعالوا لنتحدث على راحتنا حول كنه وشكل ومسمى التواجد الفلسطيني المتبقي تحت هيمنة هذه الدولة اليهودية التي اعترفتم بها…”دولة بلا حدود”، جوهرها حكم ذاتي لكانتونات متباعدة لجاليات سكانية معزولة، أو الحاقها كونفدرالياً بالمملكة الأردنية، وحتى البقاء بلا هوية وفق رؤية الوزيرة غيلا غلميئيل، وإلى أن تحين الظروف المناسبة لتعمل مخططات الترانسفير عملها.
لأسبوع خلى ظل الشغل الشاغل للإعلام الصهيوني ما طفى على سطحه من تسريبات تدور طاحونتها حول كنه “صفقة القرن” الترامبوية الرافلة في غموضها المقصود، والتي لا تبتعد عن كونها نسخة أميركية من حل نتنياهو “الإقليمي”، لحمتها وسداتها الاستعانه بالضغط العربي لإكراه الفلسطينيين على القبول سلفاً، وقبل “تعالوا لنتحدث”، بلاءات اربع هي، لا اخلاء لمستعمرات الضفة، ولا حديث عن القدس، ولا لحدود الخامس من حزيران، ولا انسحاب من الأغوار، ويردفن بنعمين لتبادل الأراضي والالتزام بمفهوم الأمن الاحتلالي، بمعنى السيطرة الأمنية الشاملة على المسخ الذي سوف تلده هذه الصفقة…مع مغريات التلويح بتدفق المليارات العربية لتحقيق “تنمية هائلة”، وعدم نسيان أنه ولتشجيع نتنياهو على القبول بهذا الحل ستنقل السفارة الأميركية إلى لقدس مع الاعتراف بها عاصمة لدولته اليهودية.
بينما صمت نتنياهو حاول الأميركان نفي هذه التسريبات ، لكنهم أتو بما يؤكدها. قرار وتوقيت اقفال مكتب منظمة التحرير في واشنطن، وإن كان تحت دريئة تبريرات تتذرع بقانون كان قد استنه الكونغرس ابتغاء منعهم من اللجوء لمحكمة الجنايات الدولية طلباً لملاحقتها جرائم المحتلين، ثم التهديد بإيقاف مساعداتهم للسلطة أو تخفيضها، لا يمكن عزلهما عن ضغوط التهيئة لمفاوضات تمرير الصفقة المزمعة، وانتزاع القبول باللاءات الممهدة لعقد بازارها، وكلام نتنياهو في الكنيست وقبله في لندن انما هو بعض من عزف منفرد على ذات الرتم.
رد رام الله على اقفال الأميركان لمكتب المنظمة في واشنطن والقاضي بتعليق كافة الاتصالات الفلسطينية معهم، يذكّرنا بقرارها وقف التنسيق الأمني مع المحتلين إثر اندلاع مواجهات الحرم القدسي. عندما اعلنت وقفه وأكد المحتلون تواصله، ليعلن رئيس شرطتها لاحقاً أن 95% منه لم يتوقف، وإن ما توقف منه فعلاُ قد اقتصر على ال5%، التي هي اللقاءات الميدانية بين الطرفين، وهذه لم تلبث وأن عادت لاحقاُ. والآن، إما وقد أعلنت السلطة عن قرارها القاضي بتجميد اتصالاتها بالأميركان لم يؤكد هؤلاء ذلك. لاحقاً يعتبر نبيل أبو اردينة، المسألة برمتها “فرصة لتصويب العلاقات الفلسطينية الأميركية”، ويعلن رئيس السلطة من مدريد عن استعداده لعقد “صفقة سلام تاريخية مع إسرائيل تحت رعاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب”…اضف إليه، اعاقة “المصالحة” بذريعة تمكين حكومتها المستلمة لكامل سلطتها في غزة، وعدم الغاء قرارات معاقبة الغزيين المحاصرين، أو فتح معبر رفح، واستجابة لضغوط أميركية!!!
…إن أي حل يطرح، لاسيما في مثل هذه المرحلة بالذات، بل وفي كافة المراحل التي لا يكون حلها يعني التحرير والعودة، إنما هو شكل من اشكال التصفية المرادة للقضية الفلسطينية ووفق رؤية المحتلين لها، كما وبغض النظر عن الطارحين للحلول ومسمياتها، فهي لا تأتي إلاً لإنقاذ الاحتلال من صيرورة تأخذه إلى حيثما يجد نفسه وجها لوجه أمام تنامي مسألتين حاكمتين تهددان وجودة مهما طال الزمن، الديموغرافيا الفلسطينية وثقافة المقاومة.

حل غيلا غلميئيل!

ليس للفجور العدواني الاحتلالي في فلسطين من حدود. نوهنا دائماً إلى أن تصاعده هو في تناسب طردي مع هاوية انحدارات الواقع العربي المشهودة، تردفها بطبيعة الحال رداءة الحال الفلسطينية كانعكاس ملازم بالضرورة لهذا الواقع. إثر المواجهات المقدسية الناجمة عن اندلاع انتفاضة الأقصى الأخيرة ضد الاحتلال، هدد وزير صهيوني سابق، هو تساحي هانقبي، الفلسطينيين ب”نكبة ثالثة”، ذلك إن هم لم يوقفوا ما يطلق عليه “دائرة العنف”، بمعنى إذا هم لم يتخلوا عن مقاومة الاحتلال.
لاحقاً، الوزيرة غيلا غلميئيل طرحت نسختها المعدلة من حل للجنرال غيورا آيلاند، الرئيس السابق لما يدعى “مجلس الأمن القومي”، للخلاص نهائياً من القضية الفلسطينية وتصفيتها، ذلك عبر مضاعفة مساحة محشر غزة، والقول للفلسطينيين اذهبوا هذه هي دولتكم، وبخصوص ما لم يهوَّد أو سيهوَّد لاحقاً من الضفة، فحكم ذاتي لتجمُّعات سكانية لا غير…تعديل الوزيرة على حل الجنرال يقضي بأن يكون الضعف المضاف لقطاع غزة مقتطعاً من سيناء المصرية، وبالنسبة لفلسطينيي الضفة فتكرَّمت عليهم بخيارين لا ثالث لهما، إما البقاء تحت الحكم الصهيوني “دون هوية”، أو “الانتقال لدولتهم في سيناء”!
في احتفالية مئوية وعد بلفور اللندنية، التي اقامتها بريطانيا على شرف ضيفها نتنياهو، قال الأخير إننا بصدد البحث عن “موديلات ونماذج للسيادة الفلسطينية على الأرض، بما فيها دولة من دون حدود مع بقاء المستوطنين”. هو في الجوهر لم يأتي بالمختلف عن طرح الجنرال وتعديل الوزيرة المضاف، لكنما زايد عليهما في الوقاحة قليلاً، عندما اعتبر أن أخلاء الضفة من المستعمرين يعد “تطهيراً عرقياً”، كما وعدَّ بقائهم فيها مقابلاً للفلسطينيين الذين بقوا في فلسطين المحتلة عام 1948 إثر النكبة…وقاحته بلغت مداها عندما قال لاحقاً في خطابه في الكنيست المحتفي بدوره بذات المناسبة البلفورية، إن السبب في الصراع العربي الصهيوني طيلة المئة عام ما كان إلا لعدم “الاعتراف بالصهيونية” لا غير!
ما تقدم ما هو إلا بعض من عيّنات لا أكثر من شأنها أن تعيدنا إلى ما كنا نقاربه بشكل أو بآخر في مقالات سابقة، وجوهره تلازم مثل هذا التصعيد في الفجور الصهيوني مع المدى الذي بلغه التنفيذ للاستراتيجية التهويدية لفلسطين المحتلة، وقطعاً لا بد من أن نضيف إليه ما أشرنا إليه بدايةً كمحفّز، وهو التناسب الطردي مع فداحة الانحدار المتسارع في الواقع العربي ورداءة الحال الفلسطينية، الوجه الآخر للعملة العربية الراهنة.
هوّد فعلاً، أو ما هو في واقع المتهوّد، من فلسطين المحتلة حتى الآن، 85% من مساحتها الكلية. البقية، ال15%، والتي هي في غالبها تجمُّعات سكانية لمدن وقرى ومخيّمات، تحاصرها وتباعد بينها المستعمرات والطرق الألتفافية والحواجز والمناطق العسكرية، وتظل برسم واحد من خياري غيلا غلميئيل…بل حتى قطاع غزة، المحرر ارضاً والمحتل جواً وبحراً، والمحاصر صهيونياً وعربياً، اقتطع عملياً 24% من مساحته القليلة، كمنطقة محرّمة، أي عازلة على طول حدوده مع المحتل العام 48.
موديل نتنياهو للحل، الذي هو عنده، كما قال، قيد البحث، هو “حكم ذاتي دون سيادة” للفلسطينيين، ومن لا يعجبه فليختر حل غلميئيل، أو الانتقال، ليس إلى سيناء، كما قالت، لأن هذا ليس في وارد المقبول فلسطينياً قبل مصرياً، ولكن الالتحاق بأكثر من نصف الفلسطينيين الموجودين في ديار الشتات مشرّدين في أرض الله الواسعة، إذا لم تتسع للمزيد منهم، ولن تتسع، الأرض العربية…”الحل الإقليمي” نتنياهوي المنشأ هو لحمة وسداة “صفقة القرن” الترامبوية، التي ينتظر غيثها بعض العرب وعلى دربها يدلق عطشى الأوسلويين قربتهم. هذا ما تشي به التسريبات، والذي لا يخرج عن ذات السياقات التصفوية المنسجمة مع ما بلغه حصاد الاستراتيجية التهويدية، والمتناسب أيضاً مع تردي الواقع العربي.
…ما يدعونه مشروع “انقاذ القدس”، ومقصودهم انقاذها من المقدسيين، بإخراج ما كانت القرى الفلسطينية الملتصقة بها وباتت مع الوقت ضواحيها ثم من صلب احيائها، شعفاط، العيسوية، جبل المكبّر، بيت حنينا، صور باهر وسواهن، من بلدية القدس وضمهن لحل “الحكم الذاتي بلا سيادة”، يعني التخلُّص من 300,000 فلسطيني عملاً على تحويلها ما أمكن لمدينة يهودية خالصة.
كل السياقات التسووية، أو التصفوية للقضية الفلسطينية، التي بصدد الطرح، أو التي ستطرح مستقبلاً، سوف تكون قطعاً متجاوزة لخرافة ما كان يدعى إيهامياً “حل الدولتين”، التي أستنفد الغرض منها وأتى على احتمالاتها الواقع التهويدي في ظل كارثية التغريبة الأوسلوية التفريطية، ومعها أيضاً خرافة أخرى ليست بالجديدة، لكنها اليوم بدأت تطل برأسها في الأوساط الأوسلوية، وهى المدعوة “حل الدولة الواحدة”، والتي بالنسبة للصهاينة تعادل، ليس القضاء على فكرة “يهودية الدولة” فحسب، وإنما انتحار كيانهم الغاصب، ويرفضونها رفضهم لحق العودة لللاجئين الفلسطينيين…كل هذه السياقات لا ولن تتعدى مشاريع كانتونات ابارتهيد تحت طائلة خياري غيلا غلميئيل وبانتظار سنوح فرصة الترانسفير..
…ما يعني ليس أمام الشعب الفلسطيني إلا خيار واحد أوحد ولا من سواه هو المقاومة وإدامة الاشتباك حتى افاقة الأمة من غيبوبة راهنها، ومن ثم العودة بالصراع إلى مربعه الأول.

ترامب وعامه الأول

بعد اقتطاعنا لحقبة حملته الانتخابية الرئاسية العاصفة، يمر عام على اعصارها الذي حمله إلى البيت الأبيض وبتنا الآن في مستهل الثاني. إبان تلك الحملة الصاخبة، وفي بداياتها، تعرضت كسواي لجلبتها المثيرة وغير المسبوقة في تليد الكرنفاليات الانتخابية الأميركية المعهودة، وأذكر أنني حينها قد كتبت مقالاً في “الوطن” قلت فيه ما معناه، لو أنني امتلك الحق في التصويت في هذه الانتخابات لأعطيت صوتي لترامب، وعللت ذلك بسبب واحد، هو أنه سوف يكون وبجدارة الرئيس الأميركي الأقدر من غيره على أن يُري العالم أكثر مدى قبح وجه العم سام، والمؤهل لأن يكشف لنا عن خفي دمامتة وبجلاء أكثر مما نعهد.
عام ترامب الأول في البيت الأبيض لم يخيّب ظني، ويوما بعد يوم يزداد عدد الأميركان، الذين قد لا يخالفوني رأيي ذاك في رجل لم ينجح حتى الآن، إلا في أمرين يتيمين ولا من سواهما، هما: استنفار كوامن العنصرية الأميركية البيضاء وافلاتها من عقالها، تحت يافطة “استعادة القومية الأميركية”، وبالتالي، انعاش الكراهية الملازمة لتلك التليدة المزمنة ونشرها. والثانية، شق المجتمع الأميركي إلى نصفين آخذين في التباعد، وقد تتسع الهوة بينهما حتى ليكاد أن لا يتبقى من جامع بينهما.
وحتى لا أستطرد فأغفل سبباً موضوعياً للظاهرة الترامبوية، التي تسيل الآن في جنبات العالم أنهر من أحبار التحليلات والتعقيبات والتوقعات حولها، أسارع للقول بأننا إذا ما عكسنا على هذه الظاهرة مأثورنا القائل “الناس على دين ملوكهم”، فبإمكاننا القول أن الترامبوية هذه هي بامتياز على دين الولايات المتحدة الأميركية ومن نبتها…هي نتاج أصيل لهذه الشركة التي وضع أسسها وأنشأها “الواسب”، أو طلائع المستعمرين من البروتستانت البيض، ذات يوم، وبنوها في حينها من جماجم أصحاب البلاد الأصليين، الذين أسموهم الهنود الحمر، ووطَّدوا دعائمها على اعناق وظهور العبيد الزنج، وظلوا، رغم تعدديتها اللاحقة، هم وحدهم الممسكين والمتحكّمين بمجالس إداراتها المتعاقبة، بعد أن غدت امبراطورية امبريالية تمتد مخالب نهمها الاستعماري كونياً لتطول أربعة أطراف جمجمة هذا العالم.
حتى الآن، وبعد عام من فوزه بالرئاسة، وبنظرة إلى تغريداته وما تثيره استفزازاتها من ردود عليها، يخال إليك أن حملته الانتخابية الرئاسية ليس لها من نهاية، كما ولا يبدو أن بلاده المنشغلة بمستجداته قد غادرت بعد أتونها. صراعه مع هيلاري كلنتون لم ينته بعد، والتحقيقات في التدخُّل الروسي المزعوم لصالحه ضدها جارٍ، وهو لايزال يطالب بالتحقيق في رسائل بريدها الإلكتروني، والديموقراطيون يحلمون بمحاكمته وعزله، والجمهوريون منقسمون حوله، والعلاقه بينه وبين الكونغرس يعوزها الانسجام، والمعركة بينه وبين المؤسسة، بمعنى الدولة العميقة، وفي طليعتها المؤسسة الأمنية، على قدم وساق، ناهيك عن خلافاته مع وزارة خارجيته، بل والموجودة داخل إدارته في البيت الأبيض نفسه.
ومع هذا، لا يكاد يشغله، داخلاً، إلا مسح آثار سلفه باراك أوباما. أما خارجياً، فمحاولته بفجاجة لا تنقصها العدوانية استعادة المبادرة الأميركية المقررة في العالم، بعد أن بدأ افلاتها من يد الإمبراطورية البادئة في طور الأفول، الأمر الذي يترجم سياسات ومواقف لا تعوزها الحماقة وتقود إلى مزيد من التخبط، إذ لم يعد أحد في عالمنا يزعم بأن لديه قدرةً على التنبوء بمواقفه أو خطواته المتوقعة.
في جردة لإيفائه بوعود حملته الانتخابية المطلقة لمارد العنصرية البيضاء من قمقمه حاملاً إياه إلى المكتب البيضاوي، لا نجده قد حقق وعداً واحداً منها. لم يعد الشركات والمصانع المهاجرة من بلادها إلى حيث فرص الاستغلال والربح في بلاد الله الواسعة، ولا اجبار المكسيك على تمويل جدار عازل يبنيه على حدودها مع بلاده، ولا أستن قوانين ضرائب جديدة، ولم يتمكن من إلغاء قانون ضمان الرعاية الصحية، أو “أوباما كير”، ولا حتى تمرير مراسيم ردها القضاء تقضي بمنع رعايا لبلدان مسلمة من دخول الولايات المتحدة، ناهيك عن أن علاقته مع الكونغرس، رغم الأغلبية الجمهورية فيه، لم تستوي بحيث تسمح له بتمرير تشريعات تتفق مع اجنداته.
أما خارجياً، فلم يقو على ابطال الاتفاق النووي الإيراني، وتراجع  عن إنهاء حلف الناتو، ويقف عاجزاً إزاء رغبة الحد من الطموح النووي الكوري الشمالي، واضطر لاستبدال لهجته العدوانية السابقة اتجاه الصين إلى تملقيَّة تستحثها على مساعدته في احتواء جموح وتحدي حليفها الكوري .
كل ما فعله هو اتاحة الفرصة للجنرالات، الذين حشدهم في ادارته ومن حوله، للفوز بصلاحيات واسعة اصبغها عليهم للتعامل مع بؤر التوتر الكونية، وتصعيد اشكال حروب وتدخلات بلاده المباشرة وعبر وسطائها، والتي لم تضع اوزارها بعد، في أفغانستان، والعراق، وسورية، وما يستجد منها في أماكن أخرى من العالم.. الجنرال جون كيلي، كبير موظفي البيت الأبيض، والجنرال هربرت ماكماستر، مستشار الأمن القومي، والجنرال جيمس ماتيس وزير الحرب.
…بالنسبة لحله الموعود للصراع العربي الصهيوني، فالأمر أوكله إلى ثلاثة صهاينة مشهود لهم، هم، صهره غارد كوشنر، ومبعوثه جيسون غرينبلت، وسفيره في تل أبيب ديفيد فريدمان…قلنا بدايةً ونعيد، ترامب مُنتَج أميركي، وبالتالي هو على دين منتجته!

الاحتلال والاستثمار في المصالحة!

لم تك “المصالحة” الفلسطينية لتصل لحدها الأدنى الحالي، أو البداية المتشكك في استمراريتها لدى قطاعات واسعة من الفلسطينيين، لولا أبجديات خارجية ثلاث، لها رابعها الذاتي لدى طرفي “الانقسام”. إنهن، إضاءة أميريكية خضراء، بعد ايمائة موافقة مسبقة من المحتلين، واستعداد عربي رسمي غير مسبوق للتخلُّص من وجع راس القضية التي كانت مركزية، وفق المعلن حينها، بالنسبة لما كان يدعى، وأيضاً في حينه، بالنظام العربي الرسمي، قبل أن يصبح في راهننا من الماضي.
أما رابعهما، وكنا قد اشرنا إليه أكثر من مرة في معالجات سابقة، فهو مأزق طرفي هذه “المصالحة”، لجهة انسداد النهج التنازلي لدى الطرف الأوسلوي، زد عليه التلويح له ضغطاً بورقة دحلان، ومقابله لدى الآخر، مأزق الوضع الإنساني الكارثي في غزة المحاصرة من العدو والشقيق معاً…أما ما سرَّع في إيصال هذه “المصالحة” لحدها المتواضع القلق في راهنها، فضغط الراعي المصري، والذي له باعثان، الحاجة الأمنية المصرية المتفاقمة في سيناء، ومتطلبات الدور المصري المفترض في سانحة قد تأتي بها المدعوَّة “صفقة القرن”، أو “الحل الإقليمي”، المحرِّك لما تقدم.
…وما تقدم لم نتعرَّض له هنا إلا كهمزة وصل للولوج إلى المحاولات الاحتلالية الجاهزة دوماً لاقتناص أية فرصة أو سانحة والإفادة منها تصفوياً…وهنا محاولة توظيف هذه “المصالحة” المتعثرة لحصد جملة من الاستهدافات المرادة، التي من شأنها أن تحوُّلها إلى استثمار في سياق تصفوي يأملون هم والأميركان وعربهم أن تكون آخر محطاته تلك الصفقةً، التي يفضل الصهاينة مسماهم لها، “الحل الإقليمي”…تصفوياً، للمقاومة بدايةً، وللقضية الفلسطينية نهايةً.
هم بدايةً مع مصالحة رادعةً للمقاومة، إن عزَّ، مرحلياً، نزع بندقيتها المقاتلة، ومحافظة على هذا الردع بتغيير ينسجم معها لقواعد الاشتباك، أي مضبوط اوسلوياً. بمعنى مصالحة تضمن أمن الاحتلال، أو كما هو الحال في الضفة الغربية، وإلا ظلت تحت طائلة تخريبها من قبله، ووقتما يشاء، إذا هي لم تفي بهذا المطلوب، والذريعة لا يعوزه اختلاقها.
في هذا السياق نفَّذ المحتلون مجزرة النفق في غزة. التي فيها، لناحية كونها المبيَّتة والمعدُّ لها مسبقاً، والمدروسة هدفاً وتوقيتاً، ما يؤكد على هذا بجلاء. هم بدايةً يريدون بارتكابها الدخول في سيناريوهات المصالحة واشتراطاتها، ومنها يدلفون إلى ساحة مفاوضات “صفقة القرن”، طارحين نزع سلاح المقاومة شرطاً لولوجهم ساحتها.
أما التخطيط والإعداد المسبق للجريمة، فيكشف عنه نشرهم لمنظومة “القبة الحديدية” حول مدينة اسدود شمالي غزة قبل أسبوع من المجزرة تحسباً لرد المقاومة، وكذا استدعاء الاحتياط بذريعة اجراء تدريبات عسكرية واسعةً، وتحت شعار الاستعداد لحالات الطوارئ، كما وليس بصدفة أن وقِّت لها أن تنتهي يوم العدوان تحديداً.
بقي القول بأن اختيار الهدف، والذي هو نفق قيد الإنشاء، ولتنظيم حركة الجهاد الإسلامي، يرمي إلى محاولة دق اسفين بين فصائل المقاومة في مثل هذه المرحلة القلقة، التي تشهد فيها ساحتها جدلاً أثارته مصالحة فاجأت سرعتها أطرافها، لاسيما وأن الاستهداف تعمَّد تجنُّب مواقع تابعة لحركة حماس باعتبارها أحد طرفي هذه المصالحة، واختار هدفاً تابعاً لحركة الجهاد الإسلامي التي هي ليست طرفاً فيها، فاستحضار فزَّاعة العامل الإيراني وتضخيمها اعلامياً لتوظيف وقعها المعروف في الأذن الأميركية، من حيث التركيز على صلة الحركة بإيران وتلقيها الدعم منها.
كما أن المسارعة لطلب المحتلين من القاهرة التوسُّط للتهدئة عقب المجزرة، والاعلان بأنه لم يكن مقصوداً استهداف قيادات، وإنكار استخدام غازات محرَّمة ثابت استخدامها، والقول بأن الهدف المقصوف يقع في المحتل عام 1948، أو يقع في أرض هي “ضمن السيادة الإسرائيلية”، وكأنما هي ليست محتلةً، وليست فلسطينية! كله يأتي ضمن ذات السياق السابق المشار إليه.
وأيضاً، لا تفوتنا الإشارة إلى أن التركيز الصهيوني على ترويج اتهام السلفيين وحدهم بارتكاب محاولة اغتيال القيادي في حماس، والأسير المحرر، اللواء توفيق أبو نُعًيْم، والذي هو مسؤول أمنها في غزة، ما هو إلا لإبعاد التهمة عنهم، ومحاولة منهم لتأجيج الخلافات القائمة أصلاً بينها والسلفيين…وهكذا فقد أثبت الصهاينة أنهم سادة في اقتناص الفرص والإفادة منها في ضرب عدة عصافير بحجر واحد، ومن بينها هذه المصالحة المتعثِّرة.
مؤشرات تباطؤ المصالحة، وإصرار رام الله على تبني شروط نتنياهو التصالحية لجهة نزع سلاح المقاومة، وعدوان مجزرة النفق، وضغط رعاة المصالحة للتهدئة بعدم رد المقاومة المفترض على مرتكبيها، كلها إشارات ممهدة لما يقال أنه اقتراب طرح ترامب لحل نتنياهو الإقليمي، ويزيد من هذا ويرجِّحه ما نقله جنرال الاحتياط في جيش الاحتلال عميرام متسناع عن رئيس سلطة الحكم الذاتي المحدود تحت الاحتلال، الذي استقبله يرأس وفداً من اثنى عشر عضو كنيست سابق في رام الله. ومما نقله نصاً، إنني “لن أقوم بتعيين أي وزير في الحكومة الحالية أو القادمة، إذا لم يعترف بإسرائيل”، مشدداً على وجوب أن يكون اعتراف حماس بعدوها “واضحاً وعلنياً وليس سراً”…ومكرراً رفضه لما دعاه عشية المصالحة “معادلة حزب الله في غزة” بقوله، إنه “لن يسمح لأن يكون للفلسطينيين سلاحين وسلطتين”!!!

حكومة مردخاي!

في محاضرة له مؤخراً كرر وزير الحرب السابق الجنرال موشيه يعلون مواقفه ومعها مواقف كافة تلاوين غلاة اليمين الصهيوني القائلة بعدم إخلاء مستعمرات التهويد التي ابتلعت غالبية الأراضي في الضفة وانتثرت في كامل مساحتها، وفي محادثات مغلقة تم تسريبها، أكَّد آفي غابي رئيس حزب العمل بأنه لا يوجد فرق بين موقفه وموقف الجنرال يعلون فيما يتعلق بالمستعمرات. هذا يعني ببساطة أن كافة المستوي السياسي الصهيوني الفاعل، وبغض النظر عن تصنيفاته يميناً ويساراً، هو مجمع على ذات السياسة التهويدية التي يقودها الإتلاف النتنياهوي، ولأمر بسيط أيضاً، وهو أنها ذات الاستراتيجية الصهيونية المعتمدة والمجمع عليها منذ بدء الصراع على فلسطين ونشوء الكيان الغاصب، والتي ستظل ملازمة له ما ظل قائماً على أنقاض الوطن الفلسطيني.
الاستراتيجية وسياساتها والمواقف المعبِّرة عنها لا من جدة فيها سوى اقترابها من الاجهاز على ما لم يهوَّد بعد من الضفة، لذا، لابد وأن يكون لها ما يوازيها بالضرورة من تصعيد آخر يتبدى عملياً وبجلاء الآن في الضفة، لاسيما وأن اوسلوا أدَّت ما عليها…اعتراف بالكيان، تنازل عن 78% من فلسطين، ما تبقى أراض متنازع عليها، والمتنازع عليه هوِّد أغلبه وما تبقى قيد التهويد، والسلطة بلا سلطة باتت لا تعني أكثر مما كان يراد توظيفها للقيام به، وهو تحوُّلها إلى أداة أمنية في خدمة أمن الاحتلال وحفظه، وتوفير احتلال مريح له وهو ما هو بالكائن، كما ويتم تطوير تخادمها باضطراد اتساقاً مع منجزات التهويد إلى مقاول باطن في مشوار تصفية القضية وآخر محطاته “الحل الإقليمي”، أي النتنياهوي في نسخته الترامبوية المسماة “صفقة القرن”…لذا:
تشتكي سلطة أوسلو الآن مما دعته “حكومة ظل” احتلالية في الضفة، ومقرها في مستعمرة “بيت إيل”، أي على مبعدة من “المقاطعة”، أو مقر رئاسة السلطة في رام الله، بما لا يتجاوز كيلومتراً واحداً. رئيس هذه الحكومة هو الجنرال يوآف مردخاي، المسمى رسمياً “منسق شؤون المناطق”، أما مهمتها، إلى جانب متابعة التنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال، فهى ممارسة سياسة تصعيدية موازية لما أنجزته استراتيجية التهويد، وتتوائم مع آخر ما رست عليه نسخ المشاريع التصفوية المطروحة، فتتمثل الآن في خطوات سحب مضطرد لأجزاء من صلاحيات السلطة المحدودة التي سمحت بها بنود اتفاقية أوسلو…سحبت سلطاتها الأمنية في مناطقها، دونما التخلي عن دورها الوظيفي كأداة أمنية في خدمة الاحتلال، وتحويلها إلى ما لا يزيد كثيراً عن بلدية، بمصادرة أجزاء واسعة من صلاحياتها المدنية تباعاً على محدوديتها، لتصبح فعلاً أقل من حكم ذاتي محدود، والأقرب إلى مقاول يوكل الاحتلال له ما يريد منه القيام به، مقابل الإبقاء عليه، أو السماح له بالاستمرارية المدروسة وإلى حين…مثلاً:
بات المنطقة التي تدعى “ج”، وفق التقسيمات الثلاث التي رسمتها اتفاقية أوسلو، والتي يطالب الوزير بينت بضمها للكيان، محرَّمة تقريباً على السلطة، ذلك بإيقاف صرف مئات التصريحات الي تسمح لضباط أمنها بالتحرك فيها. ولا يقتصر الأمر على هذه المنطقة، بل يتعداها إلى سحب الكثير من صلاحياتها في المنطقتين “أ” و “ب”، كعدم السماح، مثلاً، بنقل موقوفين جنائيين بين المدن المحاصرة بالحواجز العسكرية لمحاكمتهم، بل والقفز عليها بالتدخُّل المباشر في حياة المواطنين عبر التحكم في معاملاتهم المعيشية اليومية، الأمر الذي يفسِّر زيادة عدد الموظفين في ما تسمى “الإدارة المدنية” التابعة للاحتلال، وكذا، تقسيم الضفة إلى مناطق، وتعيين قائد عسكري رفيع على رأس كل منطقة لإدارتها، ومنحه من الصلاحيات ما هو أعلى من السلطة والفوق منها، وصولاً إلى إصدار قرارات إغلاق مؤسسات، ومحال تجارية، ومكاتب إعلامية، ومحطات إذاعة وتلفزيون، واعتقال صحافيين، ومعلقين على شبكات التواصل الاجتماعي…إنهم بذا يطبقون حلهم الاحتلالي، بمعنى تصفية القضية خطوة خطوة وفق رؤيتهم لأنهائها، وكله والسلطة لا تملك من أمرها سوى استجداء التسوية في الحافل الدولية والمطالبة ب”حل الدولتين”!!!
إن هذا الذي يتم يشي بوشيجة تربطه مع ما يسرِّبه الإعلام الصهيوني حول ما بات يطلق عليها مبادرة ترامب، والتي يقولون أنها سوف تطرح عما قريب في بازار تصفية القضية، هذا الذي يجري الإعداد لإقامته على قدم وساق، وانطلاقاً مما يقال عن وجود قناعة لدى البيت الأبيض بأن “رئيس السلطة، محمود عباس، إنسان جدِّي جدَّاً، ومعني بالسلام مع الإسرائيليين”…القناة الثانية في الكيان الاحتلالي وصفت المبادرة المرتقبة بالمختلفة عن كل سابقاتها من المبادرات الأميركيات، وإن أهم ما فيها ويروق للصهاينة أنها “لن تجبر الأطراف على الموافقة عليها”، وإن تفاوض الأطراف عليها  مرجَّح أن يتم في عواصم عربية، وأن لا من مرجعية أو سقف زمني له، والأهم، أنه سوف يبدأ باتفاقيات سلام مع دول عربية لم تكشف المصادر الصهيونية عنها …وصولاً للسلام الإقليمي أولاً، الذي لطالما دعا وألحَّ نتنياهو عليه!!!
…أما السلطة، فالمفارقة أنه قد بات ما من شاغل لها مؤخراً إلا التأكيد على أهم شرط من شروط نتنياهو لقبول الاحتلال بالمصالحة الفلسطينية، أي نزع سلاح غزة…ومنه قول رئيسها، “لا نريد ميليشيات، وهذا ما نقصد به المصالحة وما نعمل عليه”!!!