Skip to content

تيريزا وبلفور…والمالكي و”وعد جنسون”!

تقترب مئوية وعد بلفور المشئوم. هذا الذي كان بمثابة صك استعماري بموجبه منح غازٍ استعماري، والذي هو بريطانيا، ما ليس له، ولا هو من حقه، كمحتل لبلد آخر عيًّن نفسه منتدباً عليه وفق موازين القوى الدولية آنذاك، أي الوطن الفلسطيني، إلى من لا يستحقونه ولا لهم من حق فيه، أي الصهاينة، وذلك عام 1917، أي بعد احتلال البريطانيين لفلسطين إثر انهيار الدولة العثمانية في الحرب الكونية الأولى.
بعد أسابيع يمر مئة عام على هذه الجريمة، أو “الخطيئة الأصلية”، وفق عنوان لمقال مطوَّل في صحيفة “الغارديان” البريطانية حول المناسبة، ومن المعلن أن رئيسة الوزراء البريطانية الحالية، تيريزا ماي، تزمع الاحتفاء بها وإحياء مرورها بأن تولم مقيمةً حفل عشاء يحضره كبار المسؤولين تكريماً لبنيامين نتنياهو، رئيس وزراء الكيان الصهيوني، الذي كان الوعد البريطاني  قد أعطى إشارة البدء باصطناعه وزرعه عنوة في منطقة غريب عليها وتلفظة، وهى الآن تعيش شتى التداعيات الكارثية كنتيجة مباشرة وغير مباشرة لإقامته في القلب منها وإصرار الغرب الاستعماري، ممثلاً الآن بالولايات المتحدة الأميركية، على تثبيته والاستثمار العدوني ضدها فيه.
تيريزا ماي لم تخرج عن تقاليد السياسة البريطانية تجاه الصراع العربي الصهيوني، أي لم تأتي بجديد. لم ننس بعد انتقادها لجون كيري وزير الخارجية الأميركية ومزاودتها عليه حين حذر، وحرصاً منه على هذا الكيان أكثر من مجانينه، من أن حمى التهويد في الضفة “ستؤدي إلى دولة واحدة واحتلال دائم”. كما ليس بغير المتوقَّع منها، ولا من غيرها في موقعها، أن ترفض المطالبة بالاعتذار للشعب الفلسطيني لما الحقه هذا الوعد الشرير به من مآس مستدامة يكابدها…قد يكون جيرمي كوربن زعيم حزب العمال الحالي في مثل هذه الحالة استثناءً وقد يشذ عن القاعدة.
على حملة طالبت مؤخراً بمثل هذا الاعتذار ردت بقولها: “إن الحكومة فخورة بدورها في قيام دولة إسرائيل”، وإذ هذا هو حال حكومة صاحبة الجلالة، فقد تحدثت رئيستها بلغة تنضح بعتيق النكهة الاستعمارية الآفلة، وكأنما تلكم الإمبراطورية التي لا تغرب عن مستعمراتها الشمس لم تعد من الماضي، حيث تبنت بوقاحة الرواية الصهيونية وهي تدرك زيفها، حين زعمت أن “تأسيس وطن لليهود في ارض امتلكوا روابط دينية وتاريخية معها كان الأمر الصحيح والأخلاقي”!
…هي هنا، وكأنما تعطي الحق لأي قوة كاثوليكية في العالم احتلال إيطاليا نظراً لوجود الفاتيكان وكنيسة القديس بولص في روما، إلي جانب تجاهلها الصفيق كون الغرب وحده من اضطهد يهوده، وإن غير الأخلاقي هو تعويضه لهم من جيب آخرين لا علاقة لهم تاريخياً باضطهادهم، أي العرب.
بالمقابل، لا يبدو إن رياض المالكي، وزير خارجية سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود تحت الاحتلال، قد استخلص ابسط دروس هذه المئوية التي ابتدأت ببلفور وانتهت بتيريزا ماي. لم يدرك العلاقة الاستعمارية العضوية بين الثكنة البلفورية المتقدمة ومركزها الاستعماري الغربي المُختلِق لها…قبل حوالي الشهرين طالب وهو يستقبل في رام الله المحتلة وزير الدولة البريطاني لشؤون الشرق الأوسط والتنمية الدولية، اليستر بيرت، بوعد بريطاني للفلسطينيين مشابه لوعد بلفور لليهود اطلق عليه “وعد جونسون”…قال المالكي:
” لقد اصبح بلفور مشهوراً بوعده لليهود بإقامة دولة لهم على أرض فلسطين، وأنا أطالب أن يكون وزير خارجية بريطانيا الحالي مشهوراً بإعطاء وعد للفلسطينيين يسمى وعد جونسون عبر اعترافه بدولة فلسطينية”…لم يجد المالكي ما يعتقد أن من شأنه إقناع جونسون، الذي سوف يكون إلى جانب ماي وهي تولم مكرِّمةً لنتنياهو بمناسبة وعد حكومة صاحبة الجلالة، ويحفِّزه ليعده بالاعتراف بدولة فلسطينية إلا بتذكيره بشهرة سلفه بلفور! إنه يتحفنا بانموذج للمنطق الأوسلوي الصرف…والأدهى:
شكواه لبيرت “لقد اقنَعَنا المجتمع الدولي بأن الطريق الأفضل للوصول للدولة هي المفاوضات، ولكن بعد اربعة وعشرين عاماً من المفاوضات لم نصل إلى شيء”، وعليه، فهو يطلب “إجابةً من المجتمع الدولي على ذلك (اللا شيء) عبر التدخًّل الفاعل وفرض السلام عبر إقامة الدولة الفلسطينية”…بماذا أجابه بيرت؟!
أكد له على التزام بريطانيا، الذي وصفه ب”طويل الأمد بتحقيق حل الدولتين من خلال المفاوضات”…بمعني أن يستعد المالكي لمفاوضات طويلة الأمد قد تستمر اربعة وعشرين عاماً أخرى قادمة وقابلة للتمديد، علماً بأن الأربعة والعشرين الأوسلوية المنقضية قد أجهز التهويد خلالها على وهم هذا الحل…هذا إذا شاء نتنياهو تفاوضاً…مثلاً:
لكي يتفاوض مع “حكومة المصالحة” التي قد تتشكل في حال نجاحها طرح شروطة الكفيلة بأفشالها والتالي: إعتراف حماس بالكيان المحتل، والتخلي عن المقاومة، واطلاق سراح اسراه لديها، وقطع علاقاتها مع إيران، وسيطرة السلطة على الأمن في قطاع غزة، ومنع تهريب السلاح إلى القطاع، وتدمير البنى التحتية التنظيمية لحماس في الضفة، وقبلها الأنفاق ومعامل صناعة السلاح في غزة، وحصر التمويل القادم لغزة بالسلطة…وأخيراً أن تكون المصالحة خطوةً باتجاه “الحل الإقليمي” لصاحبه الأميركي…لاحقاً المبعوث الأميركي غرينبلت كرر اشتراطات نتنياهو حرفياً وصادق عليها !
…ربما لهذا، تشكو السلطة انعدام تمويل المصالحةً لتبرير تباطؤها، والسر في تعاملها مع تنفيذ المتفق عليه منها، وهو حتى الآن القليل، سلحفائياً…

Advertisements

مرة أخرى…بدو أم فلسطينيون؟!

حتى الآن، هدم المحتلون قرية العراقيب في النقب الفلسطيني المحتل للمرة التاسعة عشر بعد المئة، وفي كل مرة تزيلها جرَّافاتهم يعيد أهلها بنائها من جديد، ويستعدون لإعادة بنائها في قادم المرات إذ ستعود الجرافات مجدداً لهدمهاً. العراقيب هنا أنموذج بسيط يعبَّر عن طبيعة العدو الذي يواجهه الشعب الفلسطيني وعن جوهر الصراع الذي يخوضه معه، وبالتالي معنى صمودهً في وطنه المحتل متشبثاً بترابه ومتمسِّكاً بعناد بوجوده الوطني مادياً ومعنوياً عليه.
بيد أن النقبيين الفلسطينيين جنوباً ومعهم آخرين في الشمال الفلسطيني يتعرضون لمظلمة مزدوجة تأتيهم من عدوهم وأهلهم الفلسطينيون والعرب على السواء، ذلك بإصرار عدوهم على نعتهم ب”البدو” حصراً والتعامل معهم على هذا الأساس وكفئة مختلفة عن مجتمعهم الفلسطيني، ثم تأتي المصادر الفلسطينية والعربية بدورها فتردد ببغائياً ما يصر  عدوهم عليه ودون التنبُّه إلى مراميه…هذا المصطلح يهدف الصهاينة منه إلى مسألتين:
الأولى: ليسهل له الزعم بأنهم رحًّل غير مستقرين ولا أرض لهم، وبذا يصوُّغ جريمة سطوه على ارضهم ومصادرتها، وتعلة لمنعهم من امتلاك حتى حق بناء بيت لهم على ارض توارثوها عن اجدادهم…ما يجري للعراقيب، تحت مظلة هذا المصطلح، ومعها مثيلاتها من عشرات المواقع في النقب التي يطلق عليها الاحتلال القرى غير المرخَّصة، ليس سوى أحد أوجه استراتيجية سرقة الأرض وتهويدها وبذرائع مختلفة.
والثانية، مواصلة ذات السياسة التي انتهجوها بعيد النكبة اتجاه من بقي صامداً ولم يتمكنوا من تشريده من الفلسطينيين. أي محاولة ضرب وتفتيت اللحمة الاجتماعية الفلسطينية باضعاف عرى الروابط بين فئات المجتمع الواحد وعزل كل منها عن سواها…لذا، قسَّموا ما دعوهم ب”عرب إسرائيل” إلى مسلمين ومسيحيين ودروز وشركس وبدو،  ولاحقاً أضافوا فقاعة لم تمكث طويلاً هي الأراميين! وفي سياق محاولتهم حرص المحتلون على التعامل مع كل من هذه التصنيفات تعاملاً، وإن هو احتلالياً، لكنما مغايراً عن سواه، والهدف منه تصويرهم وكأنما هم مجموعة من قوميات مختلفة واثنيات لكل منها خصوصيته. ذلك للاستفراد بكل منها على حدة لاحتوائها وتحييدها إزاء الصراع الوجودي الذي يخوضه فلسطينيو المحتل إثر النكبة الأولى للبقاء على أرضهم، وكذا الصراع الرئيس الذي يخوضه شعبهم عموماً من أجل التحرير والعودةً.
لقد سبق وأن تعرضنا لذات المسألة، وتحديداً مصطلح “بدو النقب”، وقلنا أنا البداوة أو الفلاَّحية أو الحضرية هي صفات اجتماعية لم تعدً منطبقة على غالبية شعب نمت اغلب اجياله بعد النكبة في المخيمات، أكان في الوطن أم الشتات، حيث تساوى في بؤسها وانصهر فيه ابن حيفا ويافا مع أبناء فلاحي الجليل وقرى غزة والمنحدرين من العشائر والقبائل ذات الأصول البدوية المعروفة شمالاً وجنوباً…قطاع غزة، مثلاً لا حصراً، جمعت مخيمات اللجوء فيه متعدد فئات هذا الشعب الاجتماعية بعيد النكبة، من حيفا شمالاً وحتى أم الرشراش على خليج العقبة جنوباً، وفيها الآن لم يعد بالإمكان التفريق اجتماعيا بين فئة وأخرى من هؤلاء، حتى اللهجات المحلية السابقة بعد أن اختلطت بدأت تذوب في ما بدت تتجه بوضوح نحو لهجة غزِّية واحدة لمليوني فلسطيني حشروا فيه.
بالنسبة للنقبيين، أو ما نحن بصددهم، فهم، وإن انتموا لقبائل ذات أصول بدوية معروفة ولها امتداداتها في الأقطار العربية، فهم كانوا قبل النكبة أهل النقب المستقرون لا المترحلون، وحتى  كان هذا في حقبة ما قبل الإسلام، إذ تخبرنا المصادر التاريخية أنه في ما كانت تدعى الولاية الأولى، وفق التقسيمات الرومانية اوائل القرن السادس الميلادي، كان هناك اسقفاُ بدوياً. بعد النكبة من بقي منهم حوَّل الاحتلال غالبيتهم إلى عمال في خدمة اقتصاد محتليهم، إذ ُسلبت الأرض منهم ومنعوا من بناء بيوتهم في مسقط رؤوس أجدادهم، كما هو الحال في قرية العراقيب.
مخططات سلخ أهل النقب وعشائر الشمال عن باقي مجتمعهم الفلسطيني بدأت مبكِّراً وبعيد النكبة الأولى مباشرةً، وآخرها ما طرح مؤخراً سعياً لتحفيز شريحة الشباب للالتحاق بالجيش الصهيوني بعرض حزمة من تسهيلات وامتيازات تهدف لإغراء فئة تعاني تهميشاً بالأصل، كتخفيضات كبيرة عند شراء قسائم البناء الي سيسمح بها، وتمويل أقساط التعليم والإقامة للجامعيين، وتسهيل الالتحاق بسوق العمل وخاصة في الشركات الحكومية…ويصوِّغ تقرير لجيش الاحتلال تبني هذا المخطط باستهدافه ابعاد المستهدفين عن الحركات الإسلامية والحؤول دونهم والالتحاق بداعش!
هذا المخطط يأتي بعد افشال فلسطينيي النقب لمخطط “برافر” الذي سعى لمصادرة ما بقي لديهم من أراض، ويتناغم ويتكامل مع حزمة أخرى من المخططات، ومنها، مخطط اوري اريئيل الساعي لاقتلاعهم من قراهم غير المعترف بها، ووزيرة العدل ايليت شاكيد الساعية لمحاربة تكاثر الفلسطينيين الطبيعي، ووزير التعليم نفتالي بينت لتهويد مناهجهم التعليمية، ناهيك عن ما تدعى مشاريع التطوير الاقتصادي، وسلسلة القوانين العنصرية التي ما انفك الكنيست يستنَّها.
…ليس لمخططهم التجنيدي حظاً من نجاح. قبله فشل مثيله ومع نفس الامتيازات المدعو “الأربعين يوماً”، لاسيما وأنه في حومة الصراع تنحو الأجيال الفلسطينية المتلاحقة نحو الأصلب والأعلى وعياً والأكثر تشبُّعاً بثقافة المقاومة.

أسئلة المصالحة وتفاهمات المكرهين!

حتى لا يبدو كلامنا نشازاً بين ما قد تناهى من أصوات تفاؤلية علت على وقع احتفالية غزة التصالحية، وأخذاً في الاعتبار كون القطاع المنتكب بحصار شنيع دامت ويلاته لعقد ونيف، هو في حال يدفعه لأن يتعلق بمطلق قشة أمل تخرجه من جحيم هذا الحصار، نسارع إلى القول، إن المصالحة، ألتي تعني في جوهرها خطوة باتجاه تحقيق حلم الوحدة الوطنية، هي كانت وتظل مطلباً لم ولن يفارق الوجدان الشعبي الفلسطيني في كامل الوطن المحتل وشتى أماكن شتاته. لكنما أيضاً علينا القول، إنه أما وقد سلًّمت حماس مقاليد السلطة كاملةً غير منقوصة للحمد الله، فإن مرارة الواقع الغزِّي لم يدع للغزيين كثير اصطبار في انتظار مردود هذه الاحتفالية المدويّة، أو المماطلة في تحقيق ما اثارته من آمال أغدقتها فصاحة خطبائها من الطرفين. كما أن هذه التي بدت قبل حدوثها ضرباً من معجزة منتظرة، لكونها قد أعقبت سلسلة ممن  سبقنها من مصالحات تواترن وفشلن كلهن في وضع حد لانقسام عقد ونيف، قد طرحت اسئلةً لم يغطِ عليها صخب احتفاليتها ومنها:
ما عدا ما بدا، وما الذي جد لتتم مثل هذه المستعصية بين عشية وضحاها؟! وما علاقة فأل خيرها، المباشر أو غير المباشر، باحبولة شر المدعوَّة “صفقة القرن” الترامبوية، وفي لغة أخرى “الحل الإقليمي” النتنياهوي، وهل هي تمهيد لهما؟! اومأزومية طرفيها، رام الله التي ضاقت حلقات اوسلويتها على عنقها، وغزة التي ليس بمقدورها اطعام مليوني متضور، أضف اليهما الحاجة الأمنية المصرية في سيناء؟! أم هذه وهذه وتلك، المأزومية، والضغط المصري، والصفقة والتحضير لها؟!
السؤال الأخير يجر لآخر، وهو، كيف، وبقدرة قادر، رفع “الفيتو” الدولي عن المصالحة ، ولماذا تكرَّموا أخيراً فرفعوه؟! الدليل على رفعه ضيف شرف الاحتفالية التصالحية، ممثل “الرباعية الدولية”، خليفة سيء الصيت طوني بلير، والبلغاري المعروف بتصهينه ملادينوف؟!
ويبدو أن أسئلة المصالحة لا تنتهي، فقد انتهى مهرجانها واستلم الحمد الله مفاتيح سلطته في غزة، بينما بقيت غزة تتساءل : هل ومتى سترفع الإجراءات العقابية؟ وهل حقاً ومتى سيفتح معبر رفح؟ والأهم وماذا عن البندقية المقاومة؟
ما خلا ذلك من ملفات خمسة تعقيداتها بحجم جبال عقد انقسامي ونيِّف فقد رُحِّلت كلها لتباحث لاحق في القاهرة…وما ادراك ما هي، دمج الموظَّفين، إدارة المعابر، حل أجهزة حماس الأمنية، عودة الأمن الوقائي والأمن الرئاسي إلى غزة، وما إذا سوف يأتيان بالتنسيق الأمني معهما، والانتخابات التشريعية والرئاسية، وقانون الانتخابات، وما يسمُّونه “تفعيل عمل المنظمة” وليس إعادة بنائها، وانتخاب برلمان لدولة مفترضة باعتبارها قبلت عضواً في الأمم المتحدة، أم مجلس تشريعي لدولة تحت الاحتلال…وبعد التباحث الموعود والتوافق المنتظر، تتم دعوة الفصائل الموقعة على ما عرف في حينه ب”اتفاق القاهرة” للالتحاق بالركب التصالحي المراد.
قبل فروغ الحمد الله من استلام سلطته في غزة داهمت الغزيين تصريحات جاءت من طرفين في آن، نتنياهو ، الذي قال بأننا لن نقبل “مصالحةً زائفة يتصالح بموجبها الجانب الفلسطيني على حساب وجودنا”، ورئيس السلطة، الذي وبلغة انتصارية أملى شروطاً مضافةً لهذه المصالحة، فقال: إنه “حينما تتمكن الحكومة بشكل كامل من المعابر، والأجهزة الأمنية، والوزارات، سترفع اجراءاتنا الأخيرة، وأنا مش مستعجل”، وزاد: ولسوف “اعتقل كل من يحمل سلاحاً غير شرعي في قطاع غزة، سواء كان من فتح أو حماس، ولن أقبل باستنساخ تجربة حزب الله في لبنان”!
فيما يتعلق بنتنياهو فهو كان جاداً في اعتبار مطلق مصالحة الفلسطينية خطراً على وجود كيانه، أما ما خلاه فمصادرهم قد سارعت للتأكيد على أن هذه المصالحة ما كانت لتتم لولا موافقة مسبقة منه أعقبت تشاوراً مصرياً معه، وإلا لما أُعطي الحمد الله ووفده المكون من مئتي شخص تصاريح عبور من الضفة إلى غزة. أما ما يتعلق باشتراطات رئيس السلطة، فكنا قد قلنا في مقالنا السابق ومقالات قبله أن المصالحة والوحدة الوطنية في قاموسه تعني التحاق الطرف الآخر ببرنامجه ونقطة وأول السطر…إثر تصريحاته هذه سارع تدخُّل الطرف المصري لمنع انفضاض السامر التصالحي معيداً الأمور الى حيث التفاهمات التي رعاها.
الانقسام في الساحة الفلسطينية هو بالأصل حالة موضوعية مردها غياب برنامج اجماع حد أدنى وطني ومقاوم، ويرسّخها وجود برنامجين نقيضين، تسووي نحى البندقية جانباً وسلك مساراً تفاوضياً عبثياً وذهب بعيداً في هاويته ولا يرغب ولا يملك العودة عنه، والثاني يرفع شعار المقاومة ويعلن رفضه لمسار الأول، لكنه لا يقطع معه، وبذا يسهم من طرفه في الحفاظ على راهن هذه المشهدية الفلسطينية المأزومة…كل الفلسطينيين بلا استثناء هم بشكل أو بآخر ضد هذا “الانقسام”، ولعل طرفاه في رام الله وغزة هما أكثر من ينظم الهجائيات فيه قولاً لا فعلاً، وعليه، كل الفلسطينيين استبشروا خيراً بمشهد المصالحة الاحتفالي الغزّي وتمنوا لو خلى استبشارهم من تشكك. تشكك طبيعي مرده استحالة الجمع بين المساومة والمقاومة ، وشاهده مسلسل مشهديات مماثلة تتالت على مدار العقد الانقسامي، كانت سريعة الذوبان، وانتهى مفعولها بانقضاء جلبتها وانفضاض محتفليها.

برزانيستان!

ليس استفتاء البرزاني على انفصال كردستان العرق سوى تتويج لمسار انفصالي تليد وجد فرصته السانحة لفرض أمره الواقع على هامش غزو العراق واحتلاله وضرب أسس الدولة فيه. لكنما توقيته، وعلى الشاكلة التي تم بها، إذا ما وضعنا جانباً الاستقواء بالاحتلال وحال عراق ما بعده، أي الذي لم يسترد عافيته بعد، والمنهك المنشغل بمواجهة بقايا داعش، فهو، أي الاستفتاء، في جانب منه ليس سوى هروب انتحاري للخروج من مأزق سياسي وأزمة حكم في الإمارة البرزانية…تآكل شرعية تسلُّط زعيم الأسرة الحاكمة، الذي انتهت ولايته الثانية كرئيس للإقليم منذ سنتين، وتعطيله للبرلمان، وتصاعد المعارضة لتسلُّطه، والفساد المستشري في إدارة الإقليم، يوازيه افلاساً مترتباً عليه أولاً، وتدني أسعار النفط، الذي وضع يده على مردوده عنوةً وبعيداً عن موافقة السلطة المركزية ومراقبتها، ثانياً، وبالتالي، وإضافة إليه، توقف بغداد عن تزويد الإقليم بحصته الوازنة والأكثر مما يستحقها، والتي انتزعها في ظل الاحتلال ودستور بريمر، من الموازنة العراقية.
هذان العاملان، الاستقواء السابق والهروب اللاحق، اللذين نعيد إليهما هذه الخطوة بما لها من تداعيات سوف تعيشها المنطقة برمتها ولمدى غير معلوم، ليسا بعيدين عن عامل آخر وهو المراهنة على الرعاية الكتيمة قولاً والدائبة المحرِّضة عملاً من قبل الغرب، ونستثني ثكنته المتقدمة في قلب المنطقة الكيان الصهيوني، حيث تعمها الأفراح بما تراه ميلاداً ل”إسرائيل” ثانية على شاكلتها في المنطقة، لطالما كان قدومها هدفاً من صلب استراتيجيتها الساعية لتفتيت المنطقة وتسيُّدها قطباً تدور شظاياها من حوله. إنه الأمر الذي سعت إلي تعميمه، وهو ما انتظرته في الحالة الكردية ودعمته وحرَّضت عليه، كما هو المعروف، ومنذ خمسينات القرن المنصرم في سياق علاقة وضع أساسها الملا مصطفى البرزاني والد برزاني الاستفتاء الراهن، وانتهت إلى ما يقوله جنرال البشمركة سيروان برزاني لوكالة نوفوستي من ” أننا لن ننسى أولئك الذين قدموا لنا دعماً جدِّياً، ومن بينهم إسرائيل”.
هنا نحن لا ننخدع بالمواقف الديبلوماسية الغربية المعلنة بمعارضة الاستفتاء، فلا نلقي بالاً، مثلاً، للتعبير الرسمي الأميركي عن “الخيبة العميقة” بسبب من الإصرار الكردي على إقامته، ولا النفاق المخادع الذي تتسم بها معارضته الأوروبية. يستطيع الأميركان إعادة البرزاني إلى رشده بمجرَّد إشارة اصبع لو أرادوا. إذ علام يستند في عناده وتجاهله لمناشداتهم، وهو يعلم أن القواعد والمستشارين والخبراء ومحطات الاستخبارات الغربية التي يعج بها إقليمه لو أخذت في حزم حقائبها فلسوف يتبخر حلمه الانفصالي تلقائياً، وهنا بالضبط، أي اعتماده على هذا العامل، السر في تماديه في استعداء كل من هم حوله في الإقليم بكامله ومضيه قدماً في خطوته المضرة بالأكراد أكثر من غيرهم.
برزاني لا يجهل أن دويلته المرتجاة قد حشرتها الجغرافيا في مفترق يقع على تخوم ثلاث أمم وقوميات كبرى ليس من السهل عليهن التسليم بقيام “إسرائيل” أخرى بينهن ويعتبرن ذلك إن حدث نذير ب”إسرائيلات” لاحقة سوف تتوالد تباعاً في احشائهن.
وإذ لا من مقومات دولة لبرزانيستان هذه، وإنما دويلة فاشلة، كما هو حال المثال الجنوب سوداني، فلسوف تؤجر نفسها للأجنبي، بل هي تفعل هذا حتى قبل إعلانها. كما وإذ هي رأس الحربة لتقسيم العراق، وبدايةً لتفتيت تركيا، فهي منصة تآمر وتجسس على إيران لإلحاقها بهما. وعليه، تأتي ردود أفعال الدول الثلاث والتقائها على وجوب وئد الوليد السفاح لغزو العراق، والذي من الآن ترفرف فيه رايات الكيان الصهيوني وطفق يتصرف كوكيل للغرب في المنطقة، ويتوسع تحت رعايته في العراق وسورية وعلى الطريق الصهيونية…انتهت مرحلة داعش فليكمل الكرد دورهم في مخططات “الفوضى الخلاَّقة”… ظهور سيئ الصيت برنار هنري هاليفي في مراكز الاقتراع في أربيل له دلالات تذكِّرنا بدوره في ليبيا.
الأكراد جزء اصيل في هذه المنطقة، ولطالما نظرت إليهم أمتنا بالذات على أنهم منا ولنا ولهم ما لنا وعليهم ما علينا. كم من رئيس جمهورية في سورية كان من أصل كردي. رئيسا عراق ما بعد الغزو هما كرديين. وصلاح الدين الأيوبي واحد من ابطال تاريخنا القومي. إنهم لا يستحقون أن يأخذهم البرزاني إلى حيث عداء بيئتهم والاصطفاف مع أعدائها، وحيث يقول نتنياهو: الأكراد حلفاء لنا، ويفتح الإعلام الصهيوني دفاتر العلاقة العتيقة مع الحركة الكردية ويبدأ في سرد خباياها جذلاً…اليعازر تسفرير رجل الموساد في شمال العراق ما بين 1965 و1975 في مقابلة مع صحيفة “معاريف” يطلق على رئيس إقليم كردستان العراق أسم “مسعود بن غوريون البرزاني”، ويعتبر استفتائه الانفصالي عن العراق “قرار بن غوريوني” !
لن يكون حال شمال العراق إن تمكَّن البرزاني من إقامة “برزانيستانه” بأفضل حال من جنوب السودان بعد الانفصال.
…خاسر هو الرهان الكردي خسارة كل من راهنوا على الأميركان وتجاهلوا حقائق البيئة والتاريخ والجغرافيا…ورب ضارة نافعة، بنفسه يتيح البرزاني فرصةً مثاليةً لاندفاع العراقيين جيشاً وحشوداً شعبية وعشائرية لاستعادة من صنَّفها دستور بريمر أراض متنازع عليها واحتلتها البيشمرغة وتوسَّعت فأضافت لها ما احتلته بذريعة محاربة داعش…واستعادة وحدة كامل التراب العراقي.

الفلسطينيون والمصالحة…والمصالحة وشروطها

إنه ما من شيء يلي ويأتي في المكانة من بعد حلم التحرير ودحر الاحتلال والعودة يحتل وقعاً وموقعاً في الضمير الجمعي للشعب الفلسطيني المكافح، وطناً وشتاتاً، أكثر من فكرة إنهاء ما يدعى “الانقسام”. هذا الذي مبدأ إنهائه بحد ذاته من شأنه أن يأخذ التطلعات الشعبية مباشرةً صوب استحقاق التوافق المستوجب والضرورة على برنامج اجماع حد أدنى وطني نضالي مقاوم، باعتباره المأمول، بل المفترض، أنه سيكون المترتب على هذا الإنهاء. والذي في حال تحققه سيصب من دونما شك، بالنسبة للمخيال الشعبي، في خدمة ذاك الحلم والمطمح الرئيس…وأقله، فالمرتجى منه، الحؤول دون المزيد من الانهيارات في المسيرة الكفاحية الوطنية، هذه التي تسببت عن الكارثة الأوسلوية والتي تعاني منها الساحة الوطنية وتعيش تداعياتها على مدى الأربعة والعشرين عاما المنصرمة ولا تزال، ومنها هذا “الانقسام”.
لذا، فإن مطلق حديث مصالحة في الساحة كفيل بإنعاش الآمال الشعبية، لكنما يرافقها أيضاً قدر غير قليل من التشكك المترتب على خديعة سلسلة من الكرنفالات التصالحية المدوِّية ذات الحصيلة المحبطة، والتي نجم عنها دائماً اتفاقات حظها دائماً هو تناسيها إثر انفضاض احتفاليات توقيعها، ويستمر هذا المعرَّف ب”الانقسام”…اتفاق صنعاء، مكة المكرَّمة، القاهرة، الشاطئ، بيروت (المتعلق بموضوع المجلس الوطني)، وصولاً إلى حديث المصالحة الراهنة التي تلت لقاءات القاهرة الأخيرة وبضغط منها.
وعليه، مثله مثل ما سبق في سالف المرات، كان لحديث المصالحة الأخير قبولاً مرحِّباً مع التشكك لدى جمهرة فلسطينيي الشتات والوطن…الغزِّيون بالذات هم أكثر من استبشروا بحذر، وعلى طريقة لعل وعسى، بثمة تغيير ما قد يمن عليهم بقليل انفراج في مدلهم واقعهم المريع وغير الإنساني في ظل حصار ابادي ظالم فائق البربرية أوصلهم إلى ما لا يحتمله البشر.
وحيث نضع ما سبق في الحسبان، وحتى لا يصاب الحالمون والآملون منا، لا سيما المحاصرون بالإحباط، أحسب أن علينا ونحن نقارب المستجد وضع الأمور في حجمها آخذين في الاعتبار الموضوعي منها، والنظر للدوافع التي حدت بطرفي “الانقسام” إلى النقطة التي بلغها حديث “المصالحة” الأحدث، أو الأصح “التفاهمات” تحت الرعاية المصرية، والتي عنوانها العام يتمثل في اثنتين: حل حماس للجنة الإدارية في غزة ودعوة حكومة الحمد الله لاستلام السلطة فيها، والتوافق على التوجه نحو انتخابات تشريعية ورئاسية، وما بينهما حديث حول وجوب تراجع رام الله عن إجراءاتها العقابية ضد غزة، وانتظار لفتح معبر رفح، بالتالي نخلص إلى حقيقة الحقائق التي لابد من الانطلاق منها لرؤيتنا لمجمل الصورة ومن ثم استشرافنا للمآلات، وهي:
إن الدافع لهذا المستجد التصالحي هو بالأساس تأزم طرفي المصالحة، أو طرفي السلطة في رام الله وغزة، وبسبب رئيس هو غياب البرنامج الوطني الذي تحدثنا عنه بدايةً أو تغييبه. هذا أولاً، أما بعده، فبرام الله لانسداد واستعصاء في مسيرتها الأوسلوية، وغزة لتفاقم أوضاعها المأساوية في ظل حصار مديد لا يرحم ويضعهاً، ومنذ أمد، على حافة الانفجار…اضف لهذين، الضغط المصري على الطرفين بسبب من حاجة أمنية مصرية تتعلق بمعركة القاهرة مع الإرهاب في سيناء، وبالتالي حاجتها لتعاون غزة أمنياً، وقيام الأخيرة بضبط حدودها مع سيناء، أو ما توافقت عليه فعلا مع حماس، بالإضافة بالطبع إلى ما تطمح إليه القاهرة من دور في أية حلول إقليمية تنهي القضية كثر الحديث عنها، وعادت لإثارتها لقاءات الرئيس الأميركي على هامش انعقاد الاجتماع الدوري للجمعية العامة للأمم المتحدة.
للخروج من مأزق الواقع الغزِّي لوَّحت حماس بورقة دحلان للضغط على أبو مازن، وحلت مشكلتها مع القاهرة بالتوصُّل معها لتفاهمات فيما يتعلق بضبط الحدود والتعاون الأمني، وحلت اللجنة الإدارية ودعت الحمد لله للتسلُّم والتسليم، فالقت الكرة بذلك في ملعب رام الله، وهذه لم تجد بداً من التقاطها ولو على مضض حتى لا تغضب القاهرة، وتقطع في نفس الوقت الطريق على دحلان، وصولاً بالمسألة برمتها إلى حيث وقوف الطرفين وجهاً لوجه أمام التفاصيل، أو حيث كما يقال يقبع الشيطان، التسلُّم والتسليم، والتطبيق العملي لنقل السلطات، حل مشكلة الموظفين، إعادة هيكلة الأجهزة الأمنية، الانتخابات الخ…
لم تلتقط رام الله كرة غزة بحماسة بادية وإن رحَّبت مبدئياً بها، والأمر برمته بدا معلقاً بعودة أبو مازن من نيويورك حيث سيبين وفق المرجَّح ما لم يبن بعد من خيوط المصالحة العتيدة ابيضها من اسودها، لكن أقصى ما يمكن توقُّعه إن تمت لن يزد على الغاء إجراءات معاقبة غزة وتسلُّم حكومة الحمد الله تصريف الأعمال فيها، وقليل من تسهيلات في معبر رفح وليس فتحه…لماذا؟!
أولاً، لأن رام الله تفهم الوحدة الوطنية التحاق الآخرين ببرنامجها إياه، وثانياً لأن حماس ومعها فصائل المقاومة لن تسلِّم ذقنها للتنسيق الأمني، ناهيك عن أن أي تلويح بجزرة تسوية قد تطرح، إقليمية كانت أم دولية، كفيل بإعادة رام الله لسيرتها الأولى وغزة لسالف عهدها، وثالثاً، معبر رفح لن يتم فتحه دون موافقة من تل أبيب…وأخيراً، رفع الحصار عن غزة لن يتم دون أن تسلِّم غزة بندقيتها.

المحتلون ورهاب المقاومة

حقيقتان ظلتا خلف ارتفاع وانخفاض مناسيب العدوانية الصهيونية. وسمتاها على امتداد الصراع العربي الصهيوني. كانتا معاً تشكلان وجهين لعملتها الواحدة التي وفَّر رصيدها محفزاً لغلو هذه العدوانية ومقياساً يؤشِّر بدقة على مدى فجورها. إنهما كانتا ولا زالتا وتبقيان: التبنِّي الكامل فالدعم اللامحدود متعدد الأوجه، والرعاية الشاملة، ومنه ضمان الحماية والعصمة من المسائلة، وسائر ما كفله لها الغرب الاستعماري المختلق للكيان الغاصب في فلسطين المحتلة لتثبيته فيها، إلى جانب العجز العربي الرسمي المزمن يفاقمه ازدياد منسوب الانحدار المريع في الواقع العربي وصولاً إلى راهنه الأسوأ الغني عن الوصف، وتحديداً حقبة ما بعد كارثة فقدان المناعة السياسية، التي تلت كارثة كامب ديفيد وخروج مصر بثقلها التاريخي من الصراع، وما تبع خروجها من انهيارات، وادي عربة، مدريد، أوسلو، ناهيك عن ما لحق ببلدين هما تاريخياً ركيزتان لأية نهوض للأمة وليس من قيامة لها بدونهما، العراق، وسورية، ولا ننسى ما فعلوه بليبيا.
كل ازدياد لمنسوب الانحدار العربي يقابله اضطراد في انكشاف لمدى التصهين الغربي المتجلي في الضغوط التصفوية للقضية الفلسطينية والاستعدادات للتعامل معها من قبل التسوويين العرب والفلسطينيين، ويقابلهما تلقائياً تصعيد يضطرد في الفجور الاحتلالي، يرافقه انكشاف أوضح وأوقح لسعار التهويد واللهاث لإنجاز الاستراتيجية الصهيونية القائمة على عملية اخلاء فلسطين من أهلها وتهويدها كاملةً، والانطلاق نحو استهداف طامح وبدت تلوح نذره الأن، وهو أن يغدو الكيان قطباً تدور من حوله فتات كيانات العرب مشكِّلةً مجاله الحيوي، والذي باتت تعكسه تبجُّحات نتنياهو المعبِّرة عن تمنيات لا تخلو من حقائق.
الترجمة لما تقدم تعكسه الحال واقعاً في كامل فلسطين المحتلة من نهرها إلى بحرها، الأمر الذي اعتادته وادمنته اطراف المعمورة سماعاً ورؤيتةً وتواصل الإشاحة عنه…القمعً المفرط تقتيلاً واعتقالات، وهدماً للبيوت أو اخلائها بالقوة من ساكنيها واسكان المستعمرين فيها، مع تسارع وتائر مخططات التهويد، ومتوالية سن القوانين الزاحفة باتجاه مزيد من التضييق على الفلسطينيين سعياً لإخضاعهم أو التخلُّص منهم بإخلاء بلادهم منهم.
وزيرة عدلهم ايلييت شاكيد، المعروفة بدعوتها لإبادة الفلسطينيين، والمحرِّضة على الأمهات الفلسطينيات بالذات، لأنهن ينجبن مقاتلين تصفهم بالثعابين والإرهابيين، تعرض مع زميل من طينتها في الكنيست هو يتسلئيل سموطريتش خطة لحسم الصراع برمته والفروغ من القضية الفلسطينية، وتقضي بطرح ثلاث خيارات أمام الفلسطينيين للتوصل لحل سياسي معهم ، وهى: “مغادرة البلاد، أو القبول بالعيش تحت حكم إسرائيل، لكن بحقوق أقل درجة من اليهود، أو مقاومة الخطة وعندها يقوم الجيش بما يلزم”…سموطريتش في حوار طويل حول خطته في صحيفة “إسرائيل اليوم”، المقرَّبة من نتنياهو، يؤكِّد بثقة أن جمهور المستعمرين في كيانه الغاصب “قد اصبح جاهزاً لتنفيذ توجُّهه” هذا.
ما هم نسبة شاكيد وزميلها سموطريتش إلى حزب “البيت اليهودي” المتطرِّف، لأنهم الآن، ونعني القوى الممسكة بالقرار في الكيان الاحتلالي، لا هم لهم جميعاً أكثر من المزاودة على بعضهم البعض في الغلو والتطرف والعدوانية تجاه العرب، وتزداد وتائر عدوانيتهم بارتفاع مؤشرات الصهينة في الغرب الإمبريالي، وازدياد وتائر الانحدار العربي…لكن:
هل ما هم فيه من بركات الغرب المستدامة، مردوفة بما خصهم به الواقع العربي والفلسطيني الأردأ من كرمه، أضف إليهما تضخُّم ترساناتهم القاتلة بأحدث ما تفتقت عنه الذهنية الغربية من مبتكرات أسلحة الموت، وتطوُّر صناعاتهم التكنولوجية، والتي باتت تغزو أسواق العالم شرقاً وغرباً، ومعها فتوحاتهم الدبلوماسية، خصوصاً في القارتين الأفريقية والأميركية اللاتينية…الأولى كانت العصية عليهم قبل اتفاقية كامب ديفيد وتشرَّعت أبوابها بعد اتفاقية أوسلو… يخفف ولو قليلاً من سعار رهابهم الوجودي القاتل؟!
سؤال يجيبنا عليه “المؤتمر السابع عشر لمعهد سياسات مكافحة الإرهاب” في تل أبيب، المتناسل من مؤتمر “هرتسيليا” السنوي “لفحص المناعة القومية” متعدد الاختصاصات، والعاكس لالتياثهم الدائم بمولاة مسح كافة مؤشرات الأخطار التي قد تتهدد وجودهم، أو ما تخبئه التحولات والتطورات المتسارعة من حولهم من احتمالات ليست في صالح بقائهم…في هذا المؤتمر الذي يحتشد فيه سياسيون وجنرالات حرب وخبراء أمن وأكاديميون ومراكز بحثية جامعية وأمنية، يلاحظ ران بن براك، وهو نائب رئيس موساد سابق، أنه على الرغم من زوال ما دعاه “الخلايا الفدائية الفريدة”، وخطر الجيوش النظامية العربية، بعد خروج مصر والأردن من دائرة الصراع، وتدمير العراق وسورية، فأن “الأخطار الداهمة” قد باتت تتمثل فيما دعاه “ظهور المنظمات شبه الدولانية مثل حزب الله وحماس القادرة بفعل تنظيمها، وتوفُّر حاضنة دعم وعمق استراتيجي وظهير اجتماعي على خوض حروب طويلة الأمد”، الأمر الذي لا تحتمله طبيعة كيانهم…
وزير أمن سابق أضاف إلى هموم بن براك ما دعاه “تآكل المجتمع” في الكيان من الداخل، ويرى أنه إنما “يشكِّل الخطر الأكبر” على وجوده…وخطة “مولينيت” التي وقَّعها نتنياهو لإخلاء مدينتي “كريات شمونا” شمال فلسطين المحتلة و”سديروت” جنوبها، إلى جانب المستعمرات المحاذية للبنان وقطاع غزة، في حال نشوب حرب مع المقاومة في واحدة من هاتين الجبهتين أو كليهما معاُ، يؤكًّد على استشراء رهاب المقاومة لديهم، أو ما افصح عنه مؤتمرهم.

في الدرس الكوري!

أصبحت كوريا الشمالية، الدولة الصغيرة، والتي بحجم ولاية أميركية، والمحاصرة كونياً، والمنبوذة غربياً، قوة نووية عظمى، شاء من شاء وأبى من أبى! سيول الوعيد وعواصف التهديدات الأميركية، ومعها واسع التنديدات الدولية المؤازرة، وكذا تغريدات ترامب المتلاحقة المثقلة بنذر الويل والثبور، وكل ما انفك يترى مما استنفد من عقوبات وضغوط اقتصادية توازيها دبلوماسية مردوفة بحملة شيطنة إعلامية هائلة، لم تجد فتيلاً في فل إرادة الكوريين الشماليين وعنادهم الساعين إلى ما يمكن وصفه، ولو تزيُّداً، نظراً لاختلال موازين القوى، تحقيق توازن رعب ما من شأنه انتزاع اعتراف بهم عضواً فرض نفسه في النادي النووي غير المرحَّب بهم فيه، فالاضطرار للجلوس معهم على طاولة المفاوضات لمساومتهم على ضبط جديدهم، وتوسلاً لاحتوائه كمطمح، وأقله التعايش معه كواقع فرض نفسه.
تحذيرات ترامب ووعيد جنرالاته خبت حدتها لشح الخيارات أمامه والتصاعد المدروس في العناد الكوري وصولاً للهيدروجيني. لم يتبق للأميركان إلا الجنون غالي الكلفة، أو التسليم بواقع كوري شمالي نووي وصاروخي وانصرافهم للتعايش مع مكروه أملاً في ضبطه أو احتوائه، والتخلي عن حلم ضمان السيطرة عليه.
المتابع للمواقف الأميركية الطالعة النازلة، والجدل الدائر بين حامي الرؤوس والأكثر تعقُّلاً في الإدارة الأميركية، ناهيك عن ذاك المشتعل في قلب المؤسسة الأميركية عموماُ، والكاشف للتباين داخلها والفاضح لانعدام بديل مقبول الكلفة أمامها، أو قابل لتسويغه اميركيا وليس كونياً فحسب، لا يرى ثمة أمام واشنطن سوى الاعتراف الضمني بالأمر الواقع المستجد الذي حققته لعبة حافة الهاوية التي أجادتها بيونغ يانغ وربحتها.
ما تقدم أشار إليه بوضوح وزير الحرب الجنرال جيمس ماتيس حين رسم خطاً أحمراً أميركياً تجاوزه من قبل الكوريين الشماليين عنده هو قيامهم “بعمل عدواني ضد اميركا أو أحد حلفائها”، الأمر الذي لا نعتقد أنهم في وارده. كل ما هم بصدده هو الاعتراف بدخولهم النادي النووي من أوسع ابوابه، ما يعني امتلاكهم قوة الردع، أو الضمانة الوحيدة لبقاء نظامهم، وبالتالي التوصل لتفاهم ما يقيهم شرور الحصار ويريحهم من اذاه…لم يعد الأميركان الآن يتحدثون عن التجارب النووية الكورية أو الصاروخية، ويبدو أنها قد بدأت تخرج بحكم الأمر الواقع الذي فرضته بيونغ يانغ من قائمة ممنوعاتهم.
ما من شك في أن الولايات المتحدة وهى القوة الكونية الأعظم قادرة على البطش بكوريا الشمالية، إلا أن بطشها سوف لن تسلم من ذيوله حليفتيها كوريا الشمالية واليابان، هذا إذا افترضنا إن لا يصل الرد الكوري عليه إلى عقر دارها، وأقله بات من المؤكَّد أنه لن تسلم منه قواعدها العسكرية المنتشرة في المحيط الهادي. هنا بالضبط سر معارضة سيئول للخيار العسكري، وتطيُّر طوكيو من احتمالاته، وسر اللجوء إلى بيكين توسُّلاً لعلاج المعضلة الكورية بالعقاقير الدبلوماسية التي قد توفرها الصيدلية الصينية، إلى جانب استثارة كافة الضغوط الكونية الممكنة، بيد أن ما يبدو هو أن لا هذه ولا تلك لها محل من الإعراب في القاموس الكوري الشمالي.
ما نشهده اليوم هو درس كوري لعل أول وأكثر من ادركه وفهمه فأثار الرعب في عروقه هو الكيان الاستعماري الغاصب في فلسطين، هذا الذي كان يرفع شعار “ردع كوريا يردع الآخرين” فيما لا يخفى أنه تحريض ضمني على إيران، وفقما ورد نصاً في تصريح للناطق الرسمي باسم خارجيته…هم كانوا يدركون أن كوريا كانت بالنسبة للمنطق الامبراطوري الأميركي تهديداً محتملاً قد يتطلب حرباً وقائية لاستبعاده، وهذا ما كانوا يحرِّضون واشنطن عليه، بيد أنهم ينظرون الآن إلى الحالة الكورية على ضوء الواقع الذي فرضته التطورات الأخيرة بأنها الأخطر مما كانت عليه بكثير، ذلك كونها قد باتت بما حققته مثالاً ملهماً لسواها من المستضعفين من أمم الأرض في وجه التغول الأميركي ويغري باحتذائه، الأمر الذي لا يمكنهم احتماله، وعليه، وبما أنهم صنيعة للغرب الاستعماري أصلاً وامتداد وظيفي له، فهم الأكثر فهماً للعقلية الأم ومنطقها المتغطرس الذي يبيح لنفسه المحذورات ويمنع عن من يشاء ممن هم سواه المسموحات، ويضربون على وتره…مثلاً: لا يرى البروفيسور عوزي ايفن، المختص في الشؤون الذرية وأحد مؤسسي مفاعل “ديمونا” النووي، في الأمر سوى إن “واشنطن في طريقها لفقدان قوة الردع وهذا أمر خطير”.
لم يفعل الكوريون الشماليون أكثر من محاولة حماية أنفسهم ونظامهم المستهدف، بغض النظر عن طبيعة هذا النظام، أو ما يثيره من اتفاق أو إختلاف حوله وفي النظرة إليه. هم لم يدمروا هوريشيما ونجزاكي، ولم يفتكوا بالفيتناميين وتعبث أسلحتهم الفتاكة بالبيئة هناك بحيث أنها لم تنجوا من أثار عبثهم بها حتى يومنا هذا…واستطراداً، هم لم يبيدوا ملايين الكوريين ويقسموا كوريا ذاتها، ولاحقاً، لم يغزوا أفغانستان، ويدمروا العراق، ويلحقون به ليبيا، ويقفون خلف كل ما لحق بسورية، كما، وكيف لنا أن ننسى، أنهم لم يتكفلوا باستمرارية فرضهم لأبشع كيان هجين ذو طبيعة استعمارية استيطانية احلالية قائمة على نفي الآخر والحلول مكانه في فلسطين…كل ما فعله الكوريون هو ما لم يفعله العرب…عدم الخضوع وحماية انفسهم.