تخطى إلى المحتوى

“المصالحة” لوأد “التهدئة” و”التمكين” لدفن “المصالحة”!

كتب لي عديدون في الآونة الأخيرة حول رأيي وتوقُّعاتي بشأن موضوع بعينه، وهو إلى أين تتجه الأمور في قطاع غزة؟ هؤلاء في اغلبهم كانوا من هناك، أي ممن يكابدون ظروفاً فاقت القدرة البشرية على التحمُّل، ويجدون أنفسهم وجهاً لوجه في مواجهة أمرين: خطورة المنعطف التصفوي المفضوح والمعنون بأحجية “صفقة القرن”، وهول التدهور الشامل في الظروف الحياتية لمليوني فلسطيني في ظل فظاعة حصار إبادي لا يرحم، والأفدح أنه مديد، والأوجع أنه مزدوج يشارك فيه العدو والشقيق، وبرعاية دولية ومساندة اوسلوية.
ورغم احساسي بمدى وجع الباحثين عن نقطة ضوء في ظلمة الظروف التآمرية المحيطة بهم وبالقضية أساساً، لم اجد ثمة ما اجيبهم به، والأسئلة كلها تتمحور حول مقولتي التهدئة والمصالحة، سوى مصارحتهم بما ظللت أكرره في مقالات عديدة ومنذ أمد، بأن ليس لغزة الصمود والمقاومة من خيار سوى التمسُّك ببندقيتها ومواصلة مسيرات العودة. ذلك لأن جبهة محاصريها لم ولن يتركوا لها خياراً آخر. اللغو التهدوي الذي سحب الآن من التداول، واللغط التصالحي الذي يترنح آيلاً لذات مصائر محطاته التكاذبية السالفة، أديرا مع غزة بخبث ولهدفين: مباشر، هو تفادي تداعيات مسيرة العودة ومبتكراتها النضالية المقلقة للعدو، ومنع انفجار المعتقل الكبير المحاصر من الانفجار في وجه محاصريه. وغير مباشر، هو التمهيد لإسقاط بندقية المقاومة، وبغض النظر عن مسمياتها الفصائلية، من يدها.
كل ما خلا ذلك مما يعلك من ذرائع، ومن بينها مقولة “الانقسام”، تساق خدمةً لهذ الحصار، وتأتي في سياق تضييق الخناق على العناد الغزّي المقاوم. وافتح هنا قوسين لأقول، أنا لم أقل يوماً أن هذا الانقسام غير قائم وغير مؤذ ومرفوض، ولكني لطالما قلت أنه موضوعي كان وسيبقى كذلك، و هذا قلته حتى قبل أن يستفحل وقبل أن يُفرض الحصار، ذلك كان انطلاقاً من زاوية نظرتي التي كانت وما زالت تقول باستحالة التقاء نقيضين في الساحة الوطنية، واحدها مقاوم، أو حتى يرفع شعار المقاومة، مستنداً إلى إرادة شعب مناضل اسطوري الصمود والتضحية من أجل وطن لا يرضى عن العودة لكامله بديلاً، وتأتي اجياله اللاحقة اشد بأساً وإصرار من سابقاتها، وآخر مساوم ينادي بالتعايش مع عدوه ويتخادم معه أمنياً، بعد أن تنازل له عن ثلاثة ارباع الوطن، ويراهن على استدرار اريحية “الشرعية الدولية”، التي شرَّعت الكيان الاستعماري الغاصب وما ترتب على النكبة، في عونه ليتكرم عليه عدوه فيعطيه ما تيسر من الربع الباقي، والذي بات بفضل من أوسلو أراض متنازع عليها…هؤلاء قبل “صفقة القرن” كانوا يتوهمون دويلة ولو أقل شأناً من ميكرونيزيا، والآن أفضل ما يُعرض عليهم لا يعدو نثار لمحميات هنود حمر.
وانطلاقاً من هذا الفهم، قلت مبكراً، ومن حينه، إن اللعب في ملعب اوسلوا سيكون هو النتيجة الموضوعية للدخول في لعبة الانتخابات، ولن يكون إلا تحت سقفها، ومهما كانت مبرراته، فهو خطيئة استراتيجية من شأنها أن تضع لاعبها تحت طائلة استحقاق الجمع المحال بين متحارجتي السلطة في كنف احتلال ومقاومته، الأمر الذي يتم الآن دفع ثمنه في غزة.
بقدرة قادر لم يعد أحد من الوسطاء يتحدث عن “التهدئة”، وخبى حماسهم الذي تحوَّل إلى حديث “المصالحة”، وعلت في الآونة الأخيرة نغمة “التمكين”، وتعالت اشتراطات سلطة “اوسلوستان” التصالحية بالغةً حدود الاستحالة، وتم ابلاغ غوتيرس، الأمين العم للأمم المتحدة بوجوب إنها ء مهمة المبعوث الدولي ملادينوف لمساعيه التهدوية.افشلوا تهدئة غزة في أمّس الحاجة إليها فحالوا دونها وفرض تهدئتها على عدوها بشروط مقاومتها مستثمرةً ابداعات مسيرات العودة النضالية ورعب العدو من انفجار الأوضاع فيها بذريعة “المصالحة”.
وظَّفوا “المصالحة” لوئد “التهدئة”، والتمكين لدفن “المصالحة”، وكله بذريعة مواجهة “صفقة القرن”، مع حرص اجهزتهم الأمنية المعلن على التواصل مع أصحاب هذه الصفقة ومنفّذيها دون اعلانها، ذلك عبر التنسيق المعروف والمعلن مع السي آي إيه والشاباك، والحصول مباشرةً على الدعم المالي المعلن بعد قرار قطع الإدارة الأميركية مساعداتها عن السلطة، والإشادات المتكررة من المؤسسات الأمنية الاحتلالية!
قال رئيس السلطة: ” لن أعطي شرعية لأي تهدئة مباشرة مع حماس، والمصالحة أولاً”، ومن بعده، ونقلاً عنه، وعلى لسانه، قال حسين الشيخ عضو مركزية فتح السلطة: إنه و”على قطع رقابنا هذا المشروع (التهدئة) لن يمر”، ورفض وفدهم الذاهب للقاهرة حاملاً معه ردهم على الورقه المصرية للمصالحة الالتقاء بوفد حماس في القاهرة، وفي الرد اعادوا اشتراطات التمكين الكامل وزادوه وضوحاً: و”تمكُّ السلطة من السيطرة على سلاح الفصائل”!

وعليه، جمَّد الوسطاء “مسار التهدئة” حتى اشعار آخر بطلب من رام الله إلى أن ترضخ غزة لاشتراطاتها، وإلا، قطعت مالم يقطع من رواتب موظفيها…وأوقفت “التنسيق الأمني” مع الاحتلال، هذا الذي لم توقفه بعد كل قرارات ترامب التصفوية!!!
…وبعد، باتت “المصالحة” الأبعد من أي وقت لم تكن فيه بالقريبة…بمعنى هل لغزة، ولفلسطين، سوى القبض على اخمس بندقيتها، ومواصلة مسيرات العودة!

Advertisements

ربع قرن…والرحمة لأوسلو والبقاء للتنسيق الأمني!

في مقارباتي العديدة للكارثة الأوسلوية، طرحت قبل سنوات سؤالاً كان عنواناً لمقال لي هو: متى تحل “السلطة” نفسها؟! أجبت في متنه جازماً بأنها لن تفعل، وعددت الأسباب التي رأيت أنها تحول دونها وذلك، وكان على رأسها أنها قد ذهبت بعيداً في نهجها، أوهاويتها الانهزامية التسووية، ولم تعد تملك رجوعاً، ولا هي في وارده. ويزيد منه، أنها، وفوق كونها قد باتت معيلةً لكتائب من مناضلي الأمس المتقاعدين، تردفهم كتائب أخرى من المنتفعين بما تيسره صدقات المانحين المشروطة بمواصلتها ما هي عليه، قد تحولت مع الوقت في قفصها التي هي فيه تحت احتلال مرتعاً لشريحة نمت وتكوَّنت في حضنها وارتبطت مصالحها بمصالح محتليها.
وبعدها بفترة لم تطل، طرحت السؤال ذاته معكوساً، وأيضاً كان عنواناً لمقال، وهو، متى يحل المحتلون السلطة؟! وأجبت على سؤالي في ذاك المقال مستخلصاً، بأنهم لن يفعلوا، وأيضاً عددت الأسباب التي لا تدفعهم لذلك، وكان من أهمها دورها الوظيفي المراد لها ما دامت تنهض بشقيه: إعفاء المحتلين من أعباء وكلف الاحتلال وحملها عنهم، إلى جانب تعاونها الأمني معهم لحفظ أمنهم، عبر ما يدعى “التنسيق الأمني”، ومواظبتها على ملاحقة المقاومين، وتطويق واجهاض الانتفاضات الشعبية والحؤول دون اتساعها.
الآن، مر ربع قرن اوسلوي بتمامه وكماله وفوقه يوم على ما أطلق عليه “اعلان المبادئ حول ترتيب الحكم الذاتي الانتقالي”، او ما عرف باتقاقية اوسلو، وما لحق من نسلها، والتي بموجبها أُنشئت “سلطة الحكم الذاتي الإداري المحدود” تحت الاحتلال. ذلك كان في الثالث عشر من هذا الشهر من العام 1993، والذي وقِّع في العاصمة الأميركية واشنطن، وفي رحاب البيت الأبيض، وبرعاية رئيسها آن ذاك بيل كلنتون وبين يديه. وكان موقِّعاه هما، رئيس وزراء العدو الجنرال اسحق رابين، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات. وإثره وعلى مدى ربع القرن هذا احتفظت الولايات المتحدة بصفة “راعي السلام”، والوسيط الذي لا يوصف بالنزيه ولا يضيره أن يوصف بالمنحاز، وظلت أدبيات السلطة التي افرزتها هذه الاتفاقية تدعوها “الشريك الاستراتيجي في مسيرة السلام”.
عشية مرور ذكرى ما وقِّع في رحابها وبرعايتها، استقبلت الولايات المتحدة المناسبة على طريقتها الأميركية والترامبية جدا، أي ليس بغير المتوقَّع منها. طرد ترامب المنظمة من واشنطن ومعها غصن زيتونها، فاقفل مكتبها، الذي افتتح هناك في العام  1994 مكافأةً لها على اعترافها بعدوها وتنازلها له عن ثلاثة ارباع فلسطين، والتزامها بسائر ما نصت عليه هذه الاتفاقية، ومنه: “نبذ الإرهاب والعنف”، بمعنى التخلي عن مبدأ الكفاح المسلَّح، وأن “تحذف البنود التي تتعلَّق بها في ميثاقها كالعمل المسلَّح وتدمير دولة إسرائيل”، الأمر الذي نُفِّذ بحذافيره عندما صادق ما يدعى مجلسها الوطني في 14/12/1998 في غزة على العبث  بميثاقها محولاً إياها من التحرير إلى التمرير، ولتغدو على ماهي عليه اليوم، مخلوقاً فلكلورياً يُستحضر فحسب لمهمات تتعلَّق بالبصم على التنازلات ومن ثم يعاد فيركن جانباً. وكان هذا أيضاً بين يدي كلنتون.
اقفال ترامب لمكتب المنظمة ليس مقطوعاً عن سلسلة من خطوات تنفيذية متلاحقة، يصفّق لها المحتلون ويصفها وزير استخباراتهم بسياسة “تقشير البصل”، وتهدف لفرض “صفقة القرن”، التي لا يبدو أنه يرى ما يدعوه لكشف غموضها المتعمَّد قبل فرضها وقبوله. أهدى القدس عاصمةً لمحتليها، نقل سفارته إليها، شرعن التهويد، طارد الأنروا، والهدف إلغاء حق العودة، أي بجرة قلم شطب من قاموس الأسلويين ما كان يدعى “قضايا الحل النهائي”، ناهيك عن اعتباره للكيان الغاصب “دولةً قوميةً” ليهود الأرض، وصولاً لتهديد محكمة الجنايات الدولية، قضاةً، ومدعين عامين، ومحققين، بالعقوبات، إذا ما عنَّ ببالها محاكمة مجرمي الاحتلال.
في ذكرى مرور ربع قرن على كارثة أوسلو، لم يبق ترامب للأوهام الأوسلوستانية والعربية قشةً لتتعلق بها. المطلوب هو أن تبصموا على الإستسلام، وبعده تعالوا نفاوضكم إن شئتم على أنه لم يعد هناك فلسطين ولا فلسطينيين…هنا، من المضحك المبكي أن نسمع جماعة الكارثة الأوسلوية، بعد أن لم يبق لديهم ما يتنازلون عنه، يعودون للتلويح بحل السلطة كسالفهم زمن تجاذب أكذوبة “حل الدولتين”…ومتى؟!
في زمن بات فيه حلها من عدمه لم يعد مشكلةً عند الأميركان ولا المحتلين…التهويد أخذ مداه، وقضايا الحل النهائي حلها ترامب على الوجه الذي بيَّناه، والمعروض الآن بانتوستانات، وحتى محميات هنود حمر، لا أكثر، وشاء من شاء وأبى من أبى. وعليه،
إن هذه السلطة فعلتها وحلت نفسها فبدائلها التخادمية الدايتونية متوفرة وجاهزة، وإن هي استعاذت بالشيطان وبقيت فهي تعرف دورها الوظيفي المسموح به إياه.
أخطر ما يقوم به انهزاميونا هو محاولتهم لربع قرن خلى تزييف وعينا، والأسوأ ما وفَّروه من ذريعة لانهزاميي الأمة في محاولاتهم هزيمة وعي أمة بكاملها…رب ضارة نافعة، أعاد ترامب الصراع لأبجدياته التي لربع قرن ويزيد أرادوا تغييبها، أعاده صراع وجود لا حدود، فعلى اجيالنا أن تتلقف راية المواجهة مع عدو أمتنا الأكبر الولايات المتحدة.

فخ “التهدئة”، وذريعة “التمكين”، وكونفدرالية “الصفقة”!

لتوقيت إطلاق بالون الكونفدرالية من رام الله مؤخراً، وعلى الوجه الذي تم فيه، مآرب اوسلوية تعددت ثار وسيثور حولها كثير قول في الساحة الفلسطينية. لسنا هنا بصدد التعرُّض لها والخوض في تفاصيلها، أو للزيادة عليها ولدينا ما نزيده، ولكن لننطلق من القول بأن اطلاقه لم يأتي عفو الخاطر الأوسلوي، ولا هو كما يراه بعض الواهمين، أو المروّجين، مجرَّد مناورة مأزوم يخشى تجاوزه، أو مُتذاكٍ يستدرج عروضاً تعيده إلى طاولة تنازلات “المفاوضات حياة”…ولنزد على ما نقوله، إنه إن كان لسلبيات اطلاقة المؤذية حد التشييع للقضية الفلسطينية، والتي من الممكن القول فيها ما لم يقله مالك في الخمر، فإن لها، أو لضررها النافع، مردود إيجابي وحيد على النضال الوطني الفلسطيني، هذا إذا ما قُرنت فقاعته هذه بكافة مظاهر واستهدافات كافة الأطراف المعروفة المعنية والمشاركة في بازار مسار تصفية القضية الفلسطينية وكلٍ من موقعه التصفوي، محاصراً، ومعاقباً، ووسيطاً ضاغطاً ملوحاً بعصاه، او بجيبه، وكلها تكاتفت لإيصال عن سابق عمد وتخطيط جلبة “التهدئة” إلى خفوت قارب الاختناق، وقبلها وبعدها إعادة “المصالحة” الموهومة إلى حيث ظلت دائماً حلم ذات ليلة صيف!
بدايةً نجد لزاماً علينا إعادة قول ما سبق وأن قلناه، وهو أن “صفقة القرن”، والتي هي صهيونية الأصل أميركية التبني والحركة، هي واقعاً قيد التنفيذ دونما حاجة لطرحها أو الكشف عن غموضها المتعمَّد، وإن كافة اطراف المسيرة التصفوية هم الآن يسيرون ويضبطون خطوهم على رتمها، وصولاً إلى بالون اختبارها الكونفدرالي الأخير المنطلق من رام الله، هذا القديم الجديد، والذي هو عين مشروع الداهية الراحل بيريز المطروح عام 1982، والذي فيما بعد أعد له ديفيد ماير دستوره بإيعاز من كلنتون عام 1990، والآن ها هو يحظى بترحيب ودعم خلفه روؤفين ريفلين، وخلاصته هي ذات الرؤية التي يلتقي عليها اسحاق رابين سابقاً وبنيامين نتنياهو لاحقاً، أي شيء من “كيان أقل من دولة”، مع اضمار كونه، في سياق استراتيجية صهيونية ثابتة ولم ولن تتغير، حالة مؤقَّتة إلى أن تتوفر ظروف وسبل الترانسفير.
ترتيب لقاء “المقاطعة” مع لفيف من ممثلي قوى صهيونية مختلفة، ومن خلاله تسريب ما تم تسريبه، لم تأتي به الصدفة ولا هو بغير ما هدف، كما وأن  قول رئيس السلطة لضيوفه “أنا ورئيس الشاباك نلتقي بشكل دوري، ونتفق على 99% من الأمور”، ليس من باب مصارحة استدعتها أجواء استضافتهم…وهنا يجوز لنا التساؤل وما هو يا ترى هذا الواحد في المئة المتبقي الذي يختلف هو ورئيس الشاباك عليه؟! ثم ما الذي نفهمه من قوله لهم إن كل مشاكله هي “مع نتنياهو وليس مع الليكود”؟! وإن أجهزة سلطته “تجري تنسيقاً أمنياً يومياً مع جهاز الأمن الإسرائيلي”، وإن أفرادها “يفعلون كل ما بوسعهم كي لا يصاب إسرائيلي بأذى”! ناهيك أنه، وبالتوازي مع هذا، تم تسريب خبر وجود وفد استخباراتي اوسلوي في واشنطن لإجراء مباحثات مع “السي. أي. إيه”…وصولاً إلى حصر الخلاف مع إدارة ترامب بتجاوزات غرينبلت وتدخُّلات كوشنر، والمطالبة، لقاء عودة مياه العلاقة مع إدارة ترامب إلى مجاريها، بعزل الأول وكف أذى الثاني؟!
ماذا، وماذا، سوى ما يشي بغير محاولة التطوُّع المعلن مواربةً للالتحاق بآخر عربات “صفقة القرن”، بعد تمنُّع لم يلقِ متعهّدوا هذا القطار له بالاً ولم يأخذوه على محمل الجد، والذي ما كان ليواصل رحلته إلى محطته الأخيرة بدون وجود هذه السلطة على متنه، لأنها ببساطة وحدها المحتكرة والحاملة في جيبها خاتم المنظمة، باعتبارها، وبفضل من عجز وتكلُّس وديكورية معشر الفصائل، المصادرة الأبدية لها ولخاتمها، هذا الذي لا بد منه في نهاية المطاف لمهر مضبطة التصفية المنشودة؟!
هنا، كيف لنا أن نفصل بين توقُّف الوساطات التهدوية العربية المفاجئ، ومقاطعة رام الله لميلادينوف، ولقاء “المقاطعة” وتسريباته، وبين متوالية تطبيقات “صفقة القرن” الصهيونية الأصل الأميركية التبني، بدءاً من الاعتراف بالقدس عاصمةً ابدية لمحتليها، ونقل السفارة الأميركية إليها، واصباغ الشرعنة الأميركية على التهويد الجاري في الضفة، يقابله وكصدى له واغتناماً لبركته، إقرار “قانون القومية” في الكينيست، وفصل “القدس الكبرى” عن ما تبقَّى من مزق الضفة بقرار هدم الخان الأحمر، وسائر قرارات التهويد المعلنة لاحقاً؟!
…وكيف لنا أن نفصل بين ما تقدم وما وازاه، من تشديد للحصار الاحتلالي، العربي، الأوسلوي، على غزة، ومعاقبة السلطة لها وتوعُّدها بالمزيد من العقوبات “غير المسبوقة”، واشتراطات مصالحة “التمكين فوق الأرض وتحت الأرض”، أي مع  “التنسيق الأمني”، قبل “التهدئة”، والتي هي من اختصاص المتمكنين وحدهم؟!
وأخيراً، ما كان الابتزاز والتسويف التهدوي لغزة سوى فخ نصبوه لمقاومتها، وما اشتراط التصالحية التمكينية التعجيزية إلا ذريعةً لإجهاض التهدئة بشروطها، وما حداء الكونفدرالية والمواظبة على الدور الوظيفي في خدمة الاحتلال إلا عرض تكيّف مع جاري تطبيقات صفقة القرن التصفوية…وليتباهى السفير ديفيد فريدمان جذلاً:
“لقد قام ترامب بذبح كل الأبقار الفلسطينية المقدَّسة”!!!

ترامب والأنروا…الأميركان وحق العودة

نقلت القناة الاحتلالية الثانية في فلسطين المحتلة أن الرئيس الأميركي “يخطط للإعلان عن أن الولايات المتحدة ترفض حق العودة للاجئين الفلسطينيين، والتأكيد على رفضها تعريف الأنروا لنفسها، ووقف الدعم المالي لمؤسساتها”، وأنها “تعترف فقط باللاجئين الذين ولدوا قبل عام 1948، ورفض مكانة لاجئ لأبنائهم واحفادهم”، وأن واشنطن ستذهب إلى ما هو أبعد بمطالبة تل أبيب بأن “تعيد النظر هي أيضاً في موقفها من الأنروا، ذلك لضمان اقناع الدول العربية بعدم دفع المستحقات المالية للوكالة في حال توقَّفت الولايات المتحدة عن دفعها”…تعيد النظر في ماذا؟
قد يبدو هنا وكأنما هناك ثمة خلاف ما بين الحليفين فيما يتعلَّق بالموقف من الأنروا، وهذا غير صحيح بالمطلق، لأن الرؤية للأنروا وحق العودة، الذي هو جوهر القضية الفلسطينية، والتي يبدو ترامب وكأنما هو يزاود فيها هنا على نتنياهو، هي بالأصل صهيونية بالكامل، تاريخية، واستراتيجية، ومجمع عليها من كافة قوى الكيان المحتل على اختلافها وكامل جمهوره الاستعماري الاستيطاني، وسابقة على ترامب وإدارته، لكن حكومة الاحتلال في فلسطين تريد مرحلياً استثناء تطبيقها على عمل الأنروا في غزة فحسب، درأً لانفجار يلوح تحت ضغط الأوضاع الكارثية بسبب من الحصار المديد على القطاع المقاوم ولحسابات تتعلق بمردود وقوعه عليها، وانتظاراً منها لما ستسفر عنه الوساطات التهدوية الجارية.
اعلان ترامب لمثل هذه الخطوة التصفوية، واللاحقة لخطوتي الاعتراف بالقدس عاصمةً لمحتليها ونقل سفارة بلاده إليها، وما تلا من تعزيز لهما وبناء عليهما احتلالياً، ك”قانون القومية”، وخطوات التهويد المتسارع للضفة، أكدت القناة إياها، ونقلاً عن مصادرها الأميركية، أنه “سيصدر في الوقت المناسب”.
وقف ترامب للدعم المالي للإنروا، ليس منقطعاً البتة عن رؤيته المدعوة “صفقة القرن، التي تطبَّق ولا تعلن، وليس معزولاً عن مقدماته الكثيرة ومنها، تصريحات مستشاره للأمن القومي جون بولتون إبان زيارته لفلسطين المحتلة، هذه القائلة بأن “الأنروا آلية فاشلة”، زاعماً، “إنها تنتهك القانون الدولي فيما يتعلق بوضع اللاجئين”، مفسراً ذلك بأن “برنامج الأنروا هو الوحيد في التاريخ القائم على افتراض أن وضع اللاجىء وراثي”، بمعنى أنه يرى أن أبناء اللاجئين واحفادهم ليسوا لاجئين ولا حتى فلسطينيين! ويزيد فيقول بأنه “يعتقد أن اتخاذنا خطوة لتقليص التمويل تأخرت كثيراً”، وأكثر منه بأن كل ما يراه كفيلاً بحل القضية الفلسطينية هو “فرص عمل حقيقية تدر دخلاً”!
هذه التصريحات وازاها خفض المساعدات الأميركية السنوية للسلطة الأوسلوية المخصصة للضفة والقطاع، عبر قطع مبلغ مئتي مليون دولار، أضف عليه تصريحات مشابهة في احدى الندوات للسيدة هيلي المندوبة الدائمة للولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي، وما نمى من نية للكونغرس الأميركي للمبادرة إلى اعلان فحواه تخفيض درامي، ومن جانبه، لعدد اللاجئين الفلسطينيين المقيدين في سجلات الأنروا، وهي بالمناسبة سجلات لا تشتمل على تعداد شامل ولا كامل لكل اللاجئين…تخفيضه من خمسة ملايين وثلاثمئة ألف، إلى ما لا يزيد عن خمسمئة ألف!
ما تقدم تصفه المصادر في الكيان الاحتلالي الغاصب ب”الخطوة التاريخية”، وهذه التاريخية فعلاً، ليس لجهة وقاحة إعلانها فقط، إذ نحن مما يقولون بأنها كانت تاريخية من قبله، لجهة اضمارها دونما اعلان أميركي لها بغض النظر عن متبدِّل الإدارات في البيت الأبيض، كان المايسترو في الإدارة الراهنة الذي قاد معزوفتها هو مستشار ترامب وصهره الصهيوني جاريد كوشنر يعاونه لفيف صهاينة البيت الأبيض، وتشجِّعه البيئة المناسبة التي يوفرها هوى كتلة ترامب الانتخابية الصماء وحجر زاويتها تلك الإنجيلية المتصهينة والتي منها نائب الرئيس بنس.
نذكر هنا، أنه قبل قرابة الأربعة أسابيع قد تحدث الاعلام الأميركي عن أن كوشنر هذا قد وجه جملةً من رسائل الكترونية لكبار موظفي البيت الأبيض يدعو فيها إلى العمل على “إنهاء عمل الأنروا لأنها تعمل على تأبيد الصراع الإسرائيلي الفلسطيني من خلال تخليد قضية اللاجئين”، واصفاً هذه الوكالة بأنها ليست سوى “مؤسسة يعتريها الفساد ولا تسهم في توفير حل سياسي للصراع بين الشعب الفلسطيني وإسرائيل”!
وكل ما تقدم نعثر على كلمة السر وراء استعار اواره في راهن الحرب المحتدمة على الأنروا، والتي في جوهرها هي كناية عن حرب لم تضع أوزارها يوماً على حق العودة للاجئين الفلسطينيين…نجده عند بنيامين نتنياهو، هذا الذي سبق وأن قالها بالعبري الفصيح وها هي تترجم الآن إلى الإنكليزية بلكنة ترامبوية، قال: إن “دورها يهدف إلى تدمير دولة إسرائيل، لذا فيجب على الأنروا أن تتلاشى وتزول”..
…قبل ما لا يزيد عن أسبوع خاطب ترامب من يعنيهم الأمر في بلاده، في كتلته الانتخابية وخارجها، وبالذات اللوبي الصهيوني :”ازلنا قضية القدس عن طاولة المفاوضات لنتمكَّن من تحقيق السلام يوما”، وبذا “اخذت إسرائيل هديةً قيّمةً جداً”…لكن يوماً هذه، أو “صفقة القرن”، أجهز عليها بولتون في تل أبيب، عندما قال بأن لا موعد لطرحها…كلما احتدم النزال بين الترامبوية والدولة العميقة في الولايات المتحدة تزداد مناسيب صهينة ترامب لكسب دعم صهاينتها.

التهدئة والثوابت

توقفت شأني شأن الكثيرين أمام تصريحات أول أيام العيد في غزة المحاصرة. بدت وكأنما هي تزفّ للغزيين الرازحين تحت كارثية حصار طال بقرب محتوم لانفراجة. بدا هذا بخلاف كافة التسريبات السابقة، وكذا ما تناهى من تصريحات الفصائل المشاركة في حوار القاهرة التهدوي قبل العيد وعشية تعليقة إلى ما بعده. كلها لم تذهب في تفاؤلها إلى هذا الحد. والتعليق تأجيلاً بحد ذاته أوحى حكماً بأن الرعاة ومن يحاورونهم قد أعطوا أنفسهم فسحةً لتذليل عقبات حالت دون استيلاد التهدئة المنشودة. وهذه أبدت الأسابيع الأخيرة ما يوحي وكأنما كافة أطراف عالم من يهمه أمرها، دولياً، وإقليمياً، وعربياً، مُنكبّ على إخراجها وحريص على الإدلاء بدلوه في صخبها التهدوي، وكلٍ من موقعه ودوره ومصلحته، مع مراعاة كافة سيناريوهاتها بلا استثناء، والتي هي قيد المساومة، أمرين حاكمين: التخفيف من كارثية الحصار إنسانياً بالقدر الذي يرد خطر انفجار مرجل غزة في وجه الجميع، وإيماءة موافقة من نتنياهو.
تصريحات العيد بدت كشبه عيدية للمحاصرين، أو بمثابة اعلان مسبق عن انتصار…كيف؟!
كان ملَّخصها يقول: نحن في سبيلنا للوصول إلى تهدئة وحل للضائقة الإنسانية الرهيبة في غزة لا ندفع مقابلها ثمناً سياسياً، ولا تستدعي منا تنازلاً ماساً بثوابتنا ومسلماتنا الوطنية ومقاومتنا للاحتلال…وهذا إن كان حقاً، فيعني في هذه الحالة واحدةً من اثنتين لا ثالث لهما:
الأولى: هزيمة تكتيكية واستراتيجية ذات مردود ردعي ومعنوي للمحتلين، وتسليم منهم بها، وإقرار منهم بفشل حصارهم، وبالتالي عجزهم عن ترويض غزة وإسقاط بندقية المقاومة من يدها، وأقله أن غزة قد انتزعت منهم هذه التهدئة وفق رؤيتها هي للتهدئة وليس رؤيتهم، أو ما لا يخفى من أن مساعى الوسطاء ضغطا وتمويلاً، كانت في البداية منصبَّة لإنجازها.
والثانية: أنها لا تعدو تهدئةً ميدانية مؤقتة اضطر الاحتلال، أو أكره لا فرق، لقبولها لأسبابه وحساباته الظرفية، بمعنى أنها مثلها مثل سابقاتها اللائي تلين حروبه الأربعة الأخيرة على غزة، بمعنى يخرقها وقتما يناسبه لاحقاً، ولا تلبث اشتراطاتها والتزاماته حيالها أن تذهب ادراج رياح عدوانيته، مع فارق واحد في هذه المرة، وهو اقتناعه هو والغرب وعرب التهدئة بأن الحصار قد فشل بعد أن أوصل غزة إلى واقع كارثي، لم يدفعها للاستسلام، ولكن إلى مسيرات العودة، كما وينبىء بقرب انفجار لن يسلموا جميعهم من عواقبه، وبالتالي، وجوب تخفيف وطأة كارثيته لا أكثر.
..وحتى لو ذهبنا بعيداً إلى حيث احتمالات رفعه والتي لا نرجحها، فذلك يكون مقيداً باشتراطات يمكنه تسويقها أمام جمهوره المغالي في تطرُّفه وعدوانيته.
إن كانت التهدئة الموعودة هذه هي بمضمون الأولى، ولا تسهم في فصل القطاع عن الضفة والذي هو من استهدافات مخططات تصفية القضية، فلا نعتقد أن فلسطيني أو عربي أو إنسان حر، وهو يعلم مدى عذابات مليوني فلسطيني في معتقل غزة الكبير، لا يستبشر بها خيراً، أو هو ضد تهدئة فرضت على المحتل وفق الاشتراطات، أو المبادئ، وبلغة أخرى الثوابت، التي صمدت غزة اثنى عشر عاماً رهيبة للمحافظة عليها، وفي مقدّمتها افشال استهداف اسقاط بندقيتها المقاومة.
…لا أحد ضدها إلا الأوسلويون، الذين يرون في مطلق تهدئة بدون توقيعهم مع تمكينهم في غزة “من الباب للمحراب، وفوق الأرض وتحت الأرض”، بمعنى سحب “التنسيق الأمني” في الضفة عليها، بما فيه ما “تحت الأرض” أي المقاومة وأنفاق المقاومة، تفريطاً بالقضية، أما إذا كان وفقه، فنضال وطني كسائر نضالاتهم التي اسفرت عن ما وصلوا وأوصلوا القضية لهاويته!
إن كانت هذه أو تلك، لابد من التذكير بالآتي: عندما انطلقت الثورة الفلسطينية المعاصرة كان فدائيوها يستشهدون من أجل تحرير كامل فلسطين التاريخية، وليس المساومة على 21% من ما تيسر من المحتل بعد النكبة الثانية بالتنازل عن 78% من المحتل بعد النكبة الأولى. كما أن حق العودة يعني المواجهة التناحرية، ليس مع قانون “القومية اليهودية”، وإنما مع وجود الكيان الاستعماري الغاصب برمته فيها…ومسيرات العودة وال180 شهيداً وأكثر من ثلاثة آلاف جريح ومقعد في غزة، هذه التي افرغت بتوازيها مع معادلة “نار مقابل نار”، المستعمرات المحيطة بالقطاع المحاصر، لم تنطلق وتتواصل من أجل التهدئة، أو رغيف ممزوج بالذل، أو اطلاق ماراتون الوساطات، والسمسرات، فالتنازلات، وتمكين “التنسيق الأمني” في الضفة المستباحة من عنق غزة المقاومة.
وتذكَّروا أيضاً، إن الحروب العدوانية الأربعة على غزة كلها أُختتمت بتهدئة ذهب زبدها جفاءً فور إبرامها، وإن الثمانين في المئة من أهلنا في غزة هم لاجئون ويريدون العودة إلى ديارهم التي شردوا منها، وليس السماح لألاف قليلة منهم بالعمل في بناء مستعمرات عدوهم على أرضهم السليبة، أو نوادل يخدمون في مطاعمه.
…مشكلة الأمة المقهورة تكمن في أن من أنظمتها من لا يتورع عن أن يتحوّلَ إلى ضاغط أو مموّل لتمرير مخططات نتنياهو، ومشكلة شعبنا المناضل كانت دائما في قياداته التي لم ترتقِ يوماً إلى مستوى فدائيته واسطورية صموده.

غزة والصمود…ومنجزان يعض عليهما بالنواجذ

خلال الاثني عشر عام الأخيرة خاضت غزة مُستفرداً بها وواجهت وظهرها إلى الحائط أربع حروبٍ عدوانية تدميرية توالت عليها، تخللتها فصول عدوانية توصل ما بينها، هي إن تبدو أقل من أن توصف بالحرب فهي نوع من تواصل تلك الحروب ذاتها. أي أنها كانت في حالة من مواجهة دائمة مع عدوها…قاومت، وصمدت، ولا تزال، ما يعني أنها انتصرت، إذ افشلت جوهر استهدافات العدوانية الاحتلالية، ذلك حين تمسَّكت ببندقيتها وظلت تشرعها في وجه عدوها ولم تزل.
لكن هذه الحروب التدميرية الأربع، وما بينهما من اعتداءات دموية لم تتوقف، وعلى فظاعاتها، قد لا تقاس مجتمعة بوحشية وهمجية وكارثية حرب خامسة كبرى موازية لها ظلت تشن على غزة طيلة هذه السنوات الاثنى عشر. إنها الحصار الإجرامي المفرط في لا إنسانيته والمزدوج بطرفيه الاحتلالي والعربي، معززين بثالثهما الأوسلوي، ورابعهما الدولي، والمستمر مضروباً عليها طيلة هذه الأعوام.
لذا، اعطى صمود مليوني فلسطيني في القطاع المقاوم وتضحياتهم الدائمة لهذه الملحمة النضالية الفلسطينية الغزيّة الفريدة في مواجهة كل هاته الحروب مجتمعة اسطوريتها الفريدة، هذه التي يقف حتى اعدائها مذهولين أمام بطوليّتها غير المسبوقة ولا يكتمون نقمتهم وحيرتهم ازائها، وذاك ما تحفل به ادبياتهم، ويعترف به سياسيوهم، ويسبقهم عسكريوهم، بل هو الآن شغلهم الشاغل، والمسعّر لفوبياهم الوجودية المستحكمة في كيانهم ذي الهشاشة القاتلة، على الرغم من امتلاكه لكافة أسباب القوة العدوانية الغاشمة المعضَّد والمرعي فجورها من قبل عرَّابه الغرب الاستعماري.
حقق عناد وعبقرية الصمود النضالي الغزيّ للنضال الفلسطيني، حتى الآن، منجزين ذا بعدين استراتيجيين يفترض أن يكون لهما ما بعدها، وعليه، فإن أولى الأولويات الآن هي الحفاظ عليهما عضاً بالنواجذ والبناء عليهما، وهما: الأول، مسيرات العودة بابتكاراتها النضالية الرائعة المثبتة للكون كله أن الكف بمستطاعة مواجهة المخرز وحتى كسر أنفه. والثاني، إرغام العدو على التعامل من الآن فصاعداً مع قواعد اشتباك تفرضها المقاومة وعليه قبولها أو ضرب رأسه بالحائط.
هذان هما الأمران الكامنان الأن وراء كل هذا الجنون الذي يلتاث هذا العدو قيادةً وقوىً وكياناً، والدافعان المحركان وراء راهن جلبة الوساطات والمبادرات التهدوية المنثالة ضغطاً على غزة. وهما أيضاً، من يطلقان، بالتوازي، صفَّارة وساطات راهن الدبيب التصالحي التكاذبي الفلسطيني الفلسطيني إياه، والذي كالعادة نسمع عنه كل يوم خبراً مسرباً يجب سابقه. إطلاق استبشار زائف يتلوه انكشاف تعثر مزمن، لاستحالة ما يجمع بين مساوم ومقاوم، أو جديد الساحة القديم ومعهودها.
يكفي دليلاً، انعقاد ما لا زال يدعى المجلس المركزي في رام الله وسط مقاطعة فصائل المقاومة جميعها، ومنها بعض الفصائل التي كانت فيما مضى تتهم أول من علقوا الجرس في مواجهة بوادر الجنوح التسووي بالعدمية، وباتت اليوم تتهم سلطة رام الله بأنها قد “تحوّلت إلى نظام رئاسي سلطوي محض، يحكم بالمراسيم تحت سقف الاحتلال”!
أما رئيسها فابلغ، ومن على منبر مجلسه هذا، كل من يهمه الأمر، تمسُّكه بمفهومة التمكيني إياه للمصالحة، وزاد مؤكداً، “وبدون ميليشيات”! هذا لا يعني أننا قد لا نشهد احتفالية تصالحية يحشر المتوسّطون فيها متصالحيها متشابكي الأذرع، لكن ليس هناك ثمة مما يدعو لأن يؤمل بأن يكون مصيرها سيأتي المختلف عن مسلسل ما سبقنها من احتفاليات.
وعود إلى ما هو الأهم. وضعت غزة حتى الآن عدوها بين مطرقة عدم قبوله بتآكل ما يسميه الردع، وتفويت ما يطلق عليه ترميمه، وسندان عدم احتماله ظهور المقاومة الفلسطينية في غزة بمظهر المنتصر في هذه الجولة، بمعنى الممتلكة للقدرة على تحديد مآلات المواجهة فيها وفرضها على ما انتهت إليه، لاسيما وأن كيانه يشهد تعاظماً لتطرُّف غير مسبوق يضرب سعاره بين اطناب تجمُّعه الاستعماري الاستيطاني، هذا المزداد غلواً أكثر فأكثر يغذّيه تردي الحال العربية وانعدام ما يردع غلوُّه، الأمر الذي تبيّنه لنا متوالية تصاعده استطلاعات الرأي التي تنشرها وسائل اعلامه. هو يجد نفسه قد تكبَّد جملةً من الخسائر التكتيكية والاستراتيجية على جبهة غزة يتحسَّب لانعكاساتها على مجمل الصراع، لاسيما في مرحلة هو فيها مثقل بهواجس ما ستأتيه بها متغيّرات ما بعد انتصارات محور المقاومة في سورية، وهذه بالذات باتت عنده الأولوية التي يضعها على رأس موجبات قلقه الذي لا يكتمه.
حتى الآن، ووفق ما توافقت عليه فصائل المقاومة، لم تُجدِ التهديدات الاحتلالية بتفعيل سياسات الإغتيالات، وقابلت غزة التلويح بحرب طاحنة عليها بإبلاغ الوسطاء بجهوزيتها ل”اغراق تل ابيب بالصواريخ”، ورفضها إيقاف “مسيرات العودة”، وقالت لهم إن ما يعرض علينا هو “أقل من الحد الأدنى الذي يمكن قبوله للتهدئة”، والتي لن تكون دونما رفع كامل للحصار بالتزامن مع بدء بحث صفقة تبادل للأسرى”.
…أعظم درس يجود به راهن هذه المرحلة المصيرية الأخطر في تاريخ أمتنا المقهورة، هو أن من يصمد ويواجه لينتصر، هو وحده المزداد قوةً والمراكم منعة. ووحدهما، تهادنية العجزة، ودونيّة متهافتي التبعية، المسؤولتان عن كل هذا الخراب.

صفقة وتحتضر واستهدافاتها تُنفَّذ!

ذهبنا في مقال سبق إلى أن “صفقة القرن” هي في طور الاحتضار، وإن أطرافها في توافق ضمني بإيداعها غرفة غموض العناية الفائقة تأخيراً متعمَّداً للحظة دفنها. ما زلنا عند ما ذهبنا إليه، وكنا فصّلناه ولسنا بصدد عودة إليه، لكنما، واستكمالاً، يجرنا لغط التطورات التهدوية الغزّية الأخيرة لما يقتضي وجوب الإشارة إليه، وهو أن احتضارها، وحتى دفنها، لا يعنيان بحال إلا الجانب التفاوضي لتمريرها، أو فرضها، كطرح تصفوي مكتمل الأوصاف للقضية الفلسطينية، ذلك لاستحالة قبوله فلسطينياً، وبالتالي استحالة تبنيه، أقله علناً، من قبل الأطراف العربية المتورّطة في ترويجة توسُّطاً وتمريره ضغطاً على الطرفين الفلسطينيين النقيضين اللذين يرفضانه، وكل من موقعه، والأمر الذي كنا  قد بيَّناه.
الصفقة بمعنى الرؤية الاحتلالية ذات المرجعية الاستراتيجية الثابتة لحسم الصراع وتصفية القضية الفلسطينية، جار تطبيقها عملياً دونما حاجة لأبرامها، يسهّله وجود إدارة أميركية لا تتبنى كسابقاتها مع بعض من رتوش لهذه الاستراتيجية، وإنما بتوجهات أكثر صهيونيةً من الصهاينة أنفسهم، وكنا مراراً قد أشرنا إلى أن الفريق الموكل إليه أمرها في هذه الإدارة قد تم اختياره بالكامل من غلاة اليهود وداعمي التهويد الصهاينة…يوميات واحدهم مثلاً، وهو السفير لدى الكيان الاحتلالي فيلدمان، والمتعلِّقة بحركته ومواقفه، يبدو فيها وكأنما هو من ينوب وحده عن الإدارة الأميركية ووزارة خارجيتها ومعهما الكنيست، وقد يحسده عليها من هم على شاكلة ليبرمان وبينت!
فإذا كانت تصفية القضية وحسم الصراع في المفهوم الصهيوني تعني تهويد كامل فلسطين والقضاء على ما يؤشر للوجود الوطني المادي والمعنوي للشعب الفلسطيني فيها، وانتزاع القبول العربي الرسمي بالكيان الاستعماري الغاصب فيها والقلب من الوطن العربي، وتزايد وتائر التطبيع معه، فإن هذا الأمر الآن، في ظل الراهن العربي والدولي والفلسطيني، هو الجاري وقيد التنفيذ.
كان من أولى أولويات ترامب إيفاءً بتعهُّداته الانتخابية الاعتراف بالقدس عاصمةً أبديةً لمحتليها، وتبعه بنقل سفارة بلاده إليها، والحقه بشرعنة التهويد وسرقة الأرض من تحت أقدام أهلهاً. وهي خطوات مدروسة من شأنها أن طوَّحت بالضربة القاضية بكافة الأوهام التسووية التي نمت في أوحال مستنقعات اوسلوا وغذَّتها الانهزامية العربية، من مثل، “حل الدولة الواحدة”، ثم جاء قانون “القومية اليهودية” ليجهز على خليفته “حل الدولة الواحدة” في مهده…اوليس هذا كله يعني التنفيذ العملي للصفقة دونما حاجة لإعلانها أو التفاوض بشأنها؟!
عزز هذه الأولويات الحرب الأميركية المعلنة على “الأنروا” استهدافاً لجوهر القضية الفلسطينية وهو حق العودة، بمعنى  الإجهاز على رمزية الاعتراف الأممي باللجوء الفلسطيني إثر النكبة، أو ما يذكّر العالم بوجود القضية الفلسطينيةً…ناهيك عن أن شطب حق العودة، وخنق “الأنروا”ً، وقانون “القومية اليهودية”، أمور ترانسفيرية متضافرة لإيصال فلسطينيي الداخل فيما بعد النكبتين إلى لحظة التحوّل إلى روهينغا عربية مستقبلية يبصم عليها سلفاً الصمت العربي تواطؤاً أو عجزاً، وتكتمل التراجيدا بإطروحة “ناتو عربي” يتحالفٍ مع عدو الأمة الأصيل لمواجهة عدوها الموهوم البديل!
تقرير مجلة “فورين بولسي” الأميركية، المعنون، “ترامب وحلفاؤه يسعون إلى إلغاء وضع اللاجىء لملايين الفلسطينيين”، أوردت جملةً من رسائل الكترونية وجهها مستشار ترامب وصهره جاريد كوشنر، الموكل إليه أمر “صفقة القرن”، تفضح ما تدبّره إدارته لإنجاز الحل النتنياهوي الذي تتبناه. جاء فيها، وقد وجّهت إلى مسؤولين، إن “المهم أن يكون هناك جهد صادق ومخلص لتعطيل اونروا”…لماذا؟ يقول لأن “هذه الوكالة تسعى إلى إدامة الوضع الراهن”، بمعنى حفظ  القضية، و”ولا تساعد على السلام” وفق الرؤية الترامبوية النتنياهوية، وعليه، يفتي كوشنر بأنه “لا يمكن أن يكون هدفنا الإبقاء على الأمور مستقرة، كما هي عليه”، إذ “أنه في بعض الأحيان عليك أن تخاطر استراتيجياً بكسر الأشياء من أجل الدخول هناك”!
الآن، وفي كل من المحتلين ما بعد النكبتين، 1948، و1967، تجرى الأمور واقعاً بمقتضى مرامي الصفقة، ويشذ نتوء غزة المقاوم، وهنا لا بد من استغلال الحال المريعة التي حشر في أتونها مليونا فلسطيني في جحيم حصار ممتد يدخل عامه الاثني عشر، ويشارك في احكام خناقه الأعداء والأشقاء لتركيع العناد الفلسطيني، بمعنى مسخه في مجرَّد حاله إنسانية لا علاقة لها بوطن مغتصب وحق شعبه في العودة إليه محرراً، وحلها وفق مقولة “السلام الاقتصادي”، على غرار وصفة طوني بلير، وخطة سلام فياض، واللتين امتياز براءة اختراعهما عائدة في الأصل لبنيامين نتنياهو.
..حديث الهدنة طويلة الأمد، المشروطة بعودة سلطة أوسلو ومعها تمكينها الأمني إلى القطاع، أو إنشاء سلطة أخرى فيه، أو ما ترمي إليه مساعي ملادينوف غير الحميدة مقابل تحسين شروط الجحيم الغزي، هو بداية تشييع للخط المقاوم، وتحويل المقاومين في غزة إلى ما فعلته اوسلوا بسابقيهم المتقاعدين في رام الله…هناك ازمة عمل وطني، الخروج منها لا يكون بمهادنة العدو، وإنما فقط بنفض الغبار عن الثوابت الوطنية والقومية وإعادة الصراع إلى كلمته الأولى، بغيره الكل يشارك في تنفيذ صفقة كوشنر ولو رفضها…بل وحتى لو تخلى صاحبها عنها.